مبدئياً ... اللى بتغنى دى سميرة سعيد ... معلهش الأيام بتجرى بسرعه مالها حد و
مافيش جلد كبير ع الشد.
الأغنية لحن العبقرى بليغ حمدى و الكلمات يقال انها له ايضاً، و إن كانت هذه
المعلومة غير مؤكده، و لكن المعلومة المؤكده هو انه ألف هذه الأغنية لعبد الحليم
حافظ و لكن لم يسعفه القدر لأن يقدمها للعندليب لظروف وفاة الأخير ... وبالتالى
ركنها بليغ لسنوات حتى غنتها المطربة ورده ..
لم تشتهر الأغنية كثيراً و بالتالى لم يكتشف الناس جمالها و مدى النضج الموسيقى و
الشعرى فيها، حتى اهداها بليغ حمدى للمطربة المغربية سميرة سعيد، الناشئة فى ذلك
الوقت و التى انتقلت للإقامة فى القاهرة عام 1977 و هى يادوب بنت 17 سنة ... و
غنتها سميرة سولو بدون ان تضمها لأى من البوماتها، غير معروف التاريخ بدقة، ثم
اعادت توزيعها و ضمتها لألبوم "ع البال" الذى صدر عام 1998.
بمنتهى الصراحة، اداء سميرة سعيد اعلى و اصدق بكثير جداً من اداء وردة لنفس الأغنية
... و ربما تكون خامة صوتها تناسب هذه الأغنية أكثر من وردة ... فالأغنية تحكى
مأساة فقدان الحبيب و الحسرة على استحالة دوام الحال، و بالتالى صوت وردة العريض
ربما اضفى على الأداء قوة شخصية غير مطلوبه، بينما المطلوب فعلاً هو نقل روح
الإنكسار و الحزن و هو ما تحقق من خلال طبقة صوت سميرة سعيد الأكثر رقة.
ايضاً سميرة سعيد تعاملت مع الكلمات بتعمق اكثر، فهى لم تؤد بل عاشت الحالة تماماً،
و بالتالى ارتعشت حنجرتها كلما نطقت كلمات: "حبيبى" و "بنودع" و "قدر" و "تنطفى" و
"ذكريات" لتنقل لنا مدى قسوة هذه الكلمات على مشاعر كل من يمر بهذه الحالة.
و قد ساعدها على هذا الأداء ان اللحن اعطاها المساحة الكافية لتمد فى حروف الكلمات
و تقف و تنطلق كما تشاء و كيفما تشعر، و قد استغلت اندماجها مع الكلمات كما ينبغى و
بطريقة تستحق الدراسة ..
فى الجزء الخاص "بأمطار الشتا" تنفعل بالأداء عندما تقول "ضحكتنا بكا .. قسمتنا
كده"، حتى كأنك تشعر بالدمعة بدون ان تراها ... ثم تلخص كل هذه المشاعر عندما تمد
من حروف كلمات "حبيييييبى"، و كأنها تناديه بصورة يائسه كأمل أخير فى لقاءه.
فى التوزيع الجديد للأغنية ثبت للجميع ان بليغ حمدى هو ملحن لكل العصور، بل هو سابق
بألحانه الكثير من ملحنى جيله و مافيش داعى نقول عامل ايه فى ملحنى الجيل اللى بعده
... فعندما ادى الجيتار الجملة الموسيقية المميزة للأغنية، تشعر و كأنك تستمع إلى
اغنية soft rock لسه طالعه اول امبارح، فهى حية نابضة تتلون بالعصر الذى تُغنى فيه.
و قد تفاعلت سميرة، فى التوزيع الجديد، مع الجيتار و الهبت قيثارتها البشرية فى
تناغم رائع بين اوتار الآله و الجنجره، لتختم الأغنية فى اعلى نقطة ممكنه، مما
يجبرك على اعادتها مراراً و تكراراً رغبة فى ابقاء هذه الحاله الحالمه لأطول فترة
ممكنه ... انا شخصياً اجد من الصعوبة سماع اى اغنية اخرى قبل مرور فترة زمنية
معينة. فترة تمثل هدنة احترام و تقدير قبل الخوض فى اغانى الغير.
الكلمات طبعاً من اجمل و اعمق و ارقى ما كتب فى تاريخ الأغانى المصرية ... فيكفى كم
المعانى المفرحه الحزينة فى: "بنودع ربيع ... ونستقبل ربيع ... يخضر الشجر ...
تتنسي الدموع ... ويحلو السفر. حبيبي بنستقبل ربيع ... و بنودع ربيع و يأمرنا القدر
... تنطفي الشموع ... ويغيب القمر" ...
الجمال و الفرحه و الوحده و الوحشه فى كلمات قصيرة متراقصة تعكس كم الإحساس و الشجن
الكامنان فى روح مبدع هذه المعانى ... لا اعتقد انه يوجد هذا الكم من التباين و
المصداقية فى الإحساس فى اى اغنية اخرى.
ثم تأتى: "يدوب من الأنين"، لاحظوا طبعاً اداء سميرة العالى الإحساس هنا، جملة من 3
كلمات تجعل قلبك ينقبض من الألم و قد تقول "ياااه ... ايه كم الألم ده". بقى القلب
يدوب من الأنين ... لو كانت هذه كلمات بليغ فعلاً لوجب علينا ان ندعو له بالرحمه
بقدر الأنين الذى إحتمله اثناء كتابة هذا المعنى.
أخيراً، و ليس آخراً، يأتى دور قرار هذه الأغنية الملحمية الرقيقة : "نصبح ذكريات
... مجرد ذكريات، مجرد غنوة حلوة من ضمن الأغنيات" ... كم تنقل هذه الكلمات من
الإحساس بفقدان الرغبة فى الحياة و بالشعور بأن العمر قد ضاع فيما لا يفيد، حتى ان
كل المجهود المبذول و المشاعر المحترقة و الضحكات المنطلقة ستتوارى و تفقد اى سمة
مميزة تعطيها حياة اطول و لو قليلاً من صاحبها.
و هذا طبعاً ما يختلف معه كل عشاق و مريدى الحان بليغ حمدى ... فهو عمره ما حيبقى
مجرد غنوة من ضمن الأغنيات... ده هو الأغنيات ذات نفسها، و أحد القلائل الذين تنتسب
الأغنية المصرية لهم و ليس العكس.
إن بليغ حمدى هو بالفعل ملك الموسيقى، و برحيله تحولت مملكة الألحان إلى جمهورية.
ما هذا يا فادي يا رمزي ... مش عارف شو احكيلك ؟ من كان عمري 16 كنت اسمع اغاني زمان كلها واقرأ عنها وأشوف لكن عمري ما حسيت
بهذا الذوق الرائع فعلا الا من كلماتك الساحرة وعن جد بقولك شكرا شكرا شكرا لانك راح ترجعني اسمع القديم من اول وجديد .
فادي رمزي
18 - فبراير - 2012 08:10
اشكرك يا صلاح
دى شهادة اعتز بها ... اشكرك واتمنى ان تتابع باب اغانى مجناننى، فبه العديد من الأغانى القديمة والحديثة التى بالفعل تجننى، وربما لهذا اكتب
عنها بالتفصيل لكثرة استمتاعى بها.
التعليقات
اضف تعليق جديد11:59
بهذا الذوق الرائع فعلا الا من كلماتك الساحرة وعن جد بقولك شكرا شكرا شكرا لانك راح ترجعني اسمع القديم من اول وجديد .
08:10
عنها بالتفصيل لكثرة استمتاعى بها.