المقالات الخميس, 23 - فبراير - 2012 أرشيف الأعداد السابقة   (النسخة القديمة)

27 يناير, 2012

يا عزيزى كلنا مندسون .. (1)

فـي منوعات كتابة فاطمة عبد الله

كانت ليلة الأمس المطيرة ليلة ليلاء و فرحة غناء ... ليلة ذكرى الثورة الأولى ... مولودنا اليوم تم عام بالكمال و التمام ... فرحة غامرة تختلج النفوس .. ليلة أمطرتنا السماء بالخير فكانت البشرى و البشارة بالتفاؤل و الأمل فى غد أفضل ..

شعرناها ليلة ذكية .. ندية، وأنشدنا يا ليلة الثورة أنستينا و جددتى الأمل فينا يا ليلة نور، مطرك هلّ لعنينا فرحنا به ودعينا يجينا الخير على قدومك يا ثورة خير ؟ :)

أمتلأنا بالنشوة و اللهفة و الإشتياق ... أعددت ملابسى الجديدة التى حرصت على إدخال ألوان العلم فيها تماما كتلميذة صغيرة تنتظر بلهفة الصباح فى أول يوم دراسى لها ... برغم أننى عزفت عن هذه العادة فى الأعياد منذ أعوام عديدة ... إحساسنا بالفرحة و البهجة فاق كل شئ فأمضينا الليل على "الفيس بوك" كطالب مجد يراجع ليلة الإمتحان ... نحتفل نتبادل التهانى و الأمانى و الأغانى الوطنية منها و الحماسية حتى الصباح ... ليلة كليلة من ليالى ألف ليلة ... وهى بالنسبة لنا كذلك.



قضينا ليلتنا لم نذق طعم النوم من اللهفة، عاقدين العزم على النزول إلى الميدان فى الصباح الباكر .. فكان بحق صباحا تاريخيا مسجلا بحروف من نور فها هو صباح جديد تشرق شمسه على الدنيا .. و على أرض بلادى ..صباح ديمقراطيةٍ تحبو فى كنف مهادى .. و تظلل اليوم أجواء سمائى ..صباح حريةُ ارتوت بدماء أبرارٍ أولادى .. صباح طهر و نقاء الدم السائل ليروى أشجار الآتى .. لتتنفس روح الحرية بفؤادكم و فؤادى ... صباح إرادة شعب نفذت و برغم الأصداء دوما بالحق تنادى ... فصبحت على الجميع قائلة صباحكم حرية ... عدالة ..كرامةٌ ..إنسانيه ....صباحكم ..قيمٌ ....حق ...عدلٌ ...خيرٌ ...و ديمقراطية ...صباحكم ثورة !!

فى حين كانت لنا كل تلك الفرحة واللهفة، بات الكثيرون على الصعيد الأخر ليلتهم خائفون مرعبون مما سيحدث فى الصباح ... بعد أن أكدوا على بعضهم البعض على عدم النزول من المنازل و إغلاق بيوتهم عليهم وعلى أولادهم، مما دعاهم بالطبع للتكالب على الأسواق للإغتراف منها ... مما أحدث ضغطا و طلبا متزايدا – غير مبرر - لبعض السلع فى مؤشرات لأزمة بالطبع مفتعلة ..

ولأنها – الآلة الاعلامية و معها كثيرون آخرون – قد نجحوا بشكل ما أو بأخر إلى تسريب هذا الشعور إلى نفوس بعض المواطنين، وهو بحق أبشع شعور قد يتسرب إلى أى نفس بشرية الخوف و عدم الأمان ... فقد أشاع البعض أنباءا عن تفجيرات و إشتباكات وتوقعات بحدوث إصابات و قتلى - ممن لهم مصلحة فى ذلك - ناهيكم بالطبع عن المندسين و البلطجية والمأجورين ممن يترددون دوما على الميدان.

ونجح البعض فى إستدراج آخرين إلى تشويه صورة كل من بالميدان و وصمهم بالخيانة أو بكونهم عملاء أو مأجرون أو بلطجية أو مغيبون و مندسون ... مما يدعوك للتأمل، أحقا كل هذه الملايين التى خرجت فى الثورة و خرجت اليوم مأجورة، مغيبه، مندسة و بلطجية يااااااااااااااه ده الشعب كله ضايع على كده ؟؟؟

فعلا كلنا مندسون يا عزيزى .. فى التحرير بارك و من على الباب المندس يقابلك بالترحاب ..
عزيزي الثائر، العميل، البطجى، المندس، المأجور، المغيب ... لا تنسى إحضار أدواتك و عدة الشغل معاك ده إذا كنت" ابن كار" يعنى .. : أعلام، لافتات، ملصقات، وطبعا كنتاكى وأجندات وشوية دولارات ... وأوعى تنسى إزازة المولوتوف البلاستيك .. ها ... البلاستيك ماتنساش :)

إنه لمن المحزن و المخجل حقا أن ترى أمامك تلك المهزلة المشينة التشوية و التجنى ... من المسئول عن أنه، ريما لأول مرة فى التاريخ، يقف الشعب نفسه عائقا أمام من يطلبون له الحرية والعدل والحياة الكريمة ... فبدلا من الإشتراك فى المطالبه بها لنفسه وبنفسه، يهاجم و يرفض و يلفظ من يطالبون له بها ؟؟
من المسئول إذن عن غموض الرؤية و عدم وضوحها بهذا الشكل ؟ من المسئول عن إشاعة جو البلبلة و الرعب و عدم نشر روح الأمان و الإستقرار ؟؟ و إذا كان هذا مصير الشرفاء فما مصير المجرمون إذن .. ألهذا الحد اختلطت الأوراق و اختل الميزان و زيفت المعايير ؟؟ ..

برغم كل شئ ذهبنا يملأنا الأمل والتفاؤل كلّ حسب طريقه فى أقرب مسيرة إليه، حيث تم إطلاق أسماء الشهداء على المسيرات ... فهذه مسيرة الشيخ عماد عفت آتية من ميدان مصطفى محمود وهذه مسيرة مينا دانيال تنطلق من شبرا ومسيرة خالد سعيد من السيدة زينب وأخرى من رمسيس وتلك من الجيزة ... ليلتحم الجميع فى مشهد رائع بالغ الجمال بميدان التحرير، كما تلتحم سفن الفضاء بالمركبة الأم وكما تحتضن القطة صغيرها فى مشهد مهيب ...

يضمهم الميدان جميعا فى أحضانه على الرغم من إكتظاظه و إتساعه فى الوقت ذاته فقد امتلأ عن آخرة، فلا تجد به موطأ لقدم ... إلا أنهم دائما لهم فيه مكانة و مكان .. هذا هو ميداننا .. ميدان التحرير .. برغم الزحام و الإزدحام و صعوبة السير إلا أن أعدادا غفيرة احتشدت بالملايين و مازالت بالميدان ... ملايين لا يعنيها شيئا إلا وصول صوتها. و بالرغم من عدم إمكانية تواصلهم مع بعضهم البعض على مرمى أطراف الميدان، نظرا لأن الميدان – و كالعادة - غير مغطى أمنيا ... قصدى شبكيا و هاتفيا ... يووه قصدى الأثنين بصراحة :) إلا أن الكل فرّح منتشى و سعيد ..

شعور غريب يتسرب للنفس فرح و حزن .. غضب و إصرار ..تجلت كل الأهداف فى هتافات مثل " دى مش حفلة دية ثورة ..." القصاص القصاص مش خايفين من الرصاص "" ثورة ثورة حتى النصر ..ثورة قى كل شوارع مصر " " اقتل واحد اقتل مية .مش هنبيع القضية " نعم هذه هى المطالب التى لم تتحقق بعد و اليوم ما هو إلا إستكمال المسير نحو التحرير و نحو التغيير على حد سواء....

شعور مهيب هو ذلك الذى تسرب للنفس، حينما عبرنا فوق كوبرى قصر النيل، نستعيد ذلك المشهد حيث دهس و قتل إخواننا ... هنا حلقت أرواحهم الغالية نحو السماء .. تماما كما تحلق فوقنا الآن طيور الحرية على غير عادتها فى السماء كأنما تشاركنا أهدافنا وتطلعنا للحرية .. هنا نزفت دماء شباب بلادى الطاهرة من أجلك و أجلنا جميعا ..

هنا على هذه الأرض حيث نقف اليوم فى عزة و شجاعة لا نخشى أحدا إلا الله وقفوا هم يناضلون، يقامون، يدافعون و يستصرخون من أجل الحرية ... هنا كان الإصرار و كانت ... الكرامة.

تشاركنا السماء الصافية التى أطلت علينا يومنا حيث تزاحمت الطيور على صفحة النيل و فى السماء فوق رؤؤسنا طوال المسيرة أعلى كوبرى قصر النيل، فى مشهد عظيم ترتجف له الأوصال و تقشعر له الأبدان ... كأنما هى أرواح شهدائنا ترفرف وتحلق فوقنا ... هائمة ... فوق سماء الحرية و للحرية ..

قرأنا الفاتحة و طأطأنا الرؤوس إعزازا و إكبارا لأرواحهم الكريمة النقية ... كنت أأمل فى مراسم خاصة عند عبور الكوبرى إلا أن العدد الضخم حال دون ذلك ..- ربنا يزيد و يبارك – مئات الآلآف .. لم تخل المسيرات من الروح الفكاهية الإبتكارية للمصريين و التى لا تفارقهم لحظة، حيث صنع الشباب ماكيتات وعرائس كرتونية و مجسمات ورقية و مشانق إفتراضية ... وارتدى آخرون أقنعة أحدهم لـ "فانديتا" وأقنعة أخرى لوجوه الشهداء، وغلب عليهم شيخنا عماد عفت و مينا دانيال مع صور أخرى لمعظم الشهداء الآخرون، وأقنعة لكفيف الثورة المصرية دكتور أحمد حرارة ..

بينما طالب آخرون بالإفراج عن بعض شباب الثورة ممن رفعوا لافتات تحمل صورهم ...أصواتا هزت الدنيا حينما يتوحد الهتاف "عيش، حرية، عدالة إجتماعية ".. نعم كلاكيت تانى مرة .. حيث مازالت هنا الثورة مستمرة ... مما دعانى للقول : أول مرة فى حياتى أشوف مولود عمره سنة و لسه فى الحَضّانة بتاعة الأطفال المبتسرين؟؟

فمولودنا مازال ناقص النمو ... ندعو الله أن يكتمل نموه و يترعرع و يزدهر :).

فى مقال الغد نستكمل احداث مرور عام على الثورة.

فاطمة عبد الله
225 يناير 2011

 

 

تقييم 

 



لايوجد تعليقات حتي الأن

اضف تعليق جديد

مين اللى كان نفسك انه يرشح نفسه للرئاسة ؟

 

نتائج | استفتاءات اخري



اخر التعليقات