المقالات الخميس, 23 - فبراير - 2012 أرشيف الأعداد السابقة   (النسخة القديمة)

27 يناير, 2012

يا عزيزى كلنا مندسون .. (2)

فـي منوعات كتابة فاطمة عبد الله

تنوعت الهتافات و اللافتات ما بين منددة بحكم العسكر و مطالبة بتسليم السلطة و الرحيل وما بين تمجيد الشهداء و دمائهم، داعية للقصاص، وما بين مؤكده على مطالب الثورة وطامحة فى مستقبل أفضل و محاكمات عادلة و عدالة .. (راجع الجزء الأول)

تلتفت حولك فتجد هنا نعوشا سوداء تحمل صور الشهداء وأسمائهم، وهناك نصب تذكارى لهم و على مرمى البصر فى قلب الميدان تجد مسلة فرعونية مضيئة تحمل أيضا أسماءا و صورا للشهداء ..

مشاعر جميلة هى أن تتنسم الحرية و الكرامة فى الهواء، أن ترى الإباء والشموخ والشجاعة فى كل من حولك على مختلف طوائفهم وإنتمائتهم وأعمارهم التى تدرجت من سن الطفولة إلى المسنين .. "قول متخافش ..، علىّ وعلىّ الصوت اللى هيهتف مش هيموت" ... حلوة هى الحرية :)



إلا إن الحلو ميكملش ... لم يكتمل المشهد بوجود بعض أعمال التحرش فى الزحمة .. إلا أن شبابنا الحر الآبى لقن هولاء دروسا لن ينسوها ... روحا جميلة هى أن تجد كل من حولك أخ لك لا تعرفه ... يحميك و يدافع عنك، يحآجى عليك، يخاف عليك و يحيطك بدروع بشرية من أجل حمايتك حتى يعبر بك منطقة الإشتباك ... الله عليك يا شباب بلادى ربنا يحميك.

يوم هو رائعا بحق اختلطت فيه كل القوى والجموع، كل التيارات و الإتجاهات ... ذابت فيه وانصهرت فيما بينها لتصبح كيانا واحدا "مصر" ... لا فرق بين هذا و ذلك، لا علو لتيار دون الأخر، ولا تمييز لإتجاه على إتجاه. تجسدت هنا كل معانى الإنتماء والألفة والحب. يوما ملأته الكرامة والعزة و الإباء . .عيد هو بحق ... يوم فى حياتنا وتاريخنا لا ينسى "يوم المصريين".

مثلنا مثل الجميع التقطنا الصور التذكارية وسجلنا هذه اللحظات التاريخية فى عمر الشعوب وفى أعمارنا ... هممت بالمغادرة فنحن هنا منذ الصباح الباكر، و كمان مشينا مشى ما اقولوكوش ... مسيرات من هنا وهناك سيراً على الأقدام، و لكنها متعة كبيرة لا نشعر خلالها بأى تعب ..



ولأن زى ما إحنا لسه قايلين"الحلو ميكملش" لم تكتمل فرحتى، فعند عودتى استقللت ميكروباص وهو طريقى المعتاد يوميا، أرسلت الأجرة المعتادة فإذا به يطالب بثلاثة أمثالها ... فاندهشت و تخيلت أنى سمعت بالخطأ إلا أنه عاد فكرر ..

وإندهاشى بل و صدمتى ليست لطلبه، وإنما لصمت الركاب وتقبلهم وعدم إعتراضهم ... وعلى رأى مارتن لوثر كينج "المصيبة ليست في ظلم الأشرار بل في صمت الأخيار" .. فلم "يتحمق " أحد إلا أنا .. ده أنا لسه جايه من الميدان يا جدعان .. عيب يعنى ..

نسيت أن أخبركم أن العربة من الميدان بذات نفسه، بصنيته ومنصته – فصحت به " ليه ده طريقى و دى أجرته" ... فأجاب فى إستعلاء "هى كده "، فصحت ناظرة للركاب جميعهم بإندهاش شديد "إيه يا جماعة هتسكتوا ؟؟ هتقبلوا ؟ أومال عمالنا ثورة ليه ؟ و كنا فى التحرير ليه؟؟ميدان إيه بقى اللى احنا جايين ليه ؟ و بنعيد الثورة ليه ؟ كده يبقى خلاص مالوش لزوم لا نيجى ولا نعمل ثورة ؟ كده يبقى أخر أملنا ضاع .. يبقى البلد ضاعت ؟؟ لما الصغيرين يستقووا على بعض يبقى مانلومش بقى على الكبار لما يعملوا كده معانا و فينا ؟؟ .. بقى احنا بنطالب بإسقاط النظام و محاكمة أكبر كبير و أنتم تسكتوا ؟؟"

ولمزيد من إندهاشى لم يعترض أحد وكأننى أأؤذن فى مالطا أو واحدة مجنونة بقى ..

وبالطبع سكوتهم شجع السائق و قال "هتدفعى ولا لأ" فصحت مندهشة ، متعجبة مما أرى " لا " ...
فبالطبع لن أقبل هذا على نفسى و لا على بلدى وإلا لماذا كنا إذن بالتحرير ... أنصنع طاغوتا جديدا ؟ .. ونمجد فرعونا استخف قومه فأطاعوه ؟؟
أنطيع جلادا ليجلد المزيد .. أم بالفعل كما قال شوقى عجبا لشعب يهتف بحياة قاتليه .. أحقا نمجد جلادينا ؟؟...
صحت بإنفعال : اذا مش هتأخد الأجرة العادية هأنزل نزلنى ،وقف و نزلنى".. و هنا أخيراااا صاح أحد الركاب الشباب : "لا مش هتنزلى و هو هيطلع على "جنية "، و هو نصف ما كان يطلب به – ده على إعتبار إنه بيغريه مثلا بالزيادة كأنما يعقد معه صفقة خفية ويتفاوض معه – و لم يعر السائق الشاب إهتماما و قال "هو كده !!"
و هنا تدخل راكبا أخر قائلا : بأقولك إيه يا أسطى زى ما قالك محدش هينزل و هتطلع على جنية" كل هذا فى صمت من الركاب أجمعهم ..هنا و حينما أستشعر السائق بدأ التكتل صمت و استمر فى القيادة ..
و إذا حللنا منطق الموقف فإنه فى حقيقة الأمر فقد تمت صفقة خفية غير معلنة على طريقة "فوتلى و أفوتلك" سيب و أنا سيب ... وكنا فيها نحن دائما الطرف الخاسر .. فقد دفعنا زيادة عن المبلغ المعتاد بينما استنفذنا جهدا فى المناقشة ..

فى الوقت الذى حصل فيه السائق على زيادة بالفعل - و إن كانت أقل مما ينشده- و الفكرة هنا ؟؟ أهكذا تتدار الأمور؟؟ و إلى أين تتجه بنا يا وطن ؟؟ فلا تدخل أحد أو دافع فى حين حاول البعض تسريب فكرة الصفقة الخفية و تفويت حاجة و"الخروج الآمن" من الموقف ....!!

إلا أنه و فى خضم و صخب هذا الإنفعال هدأنى أحدهم قائلا : " معلش بقى ده عشان إنهاردة بس" فأجبت بمزيد من التعجب : "مهو عشان انهاردة بالذات المفروض ميعملش كده" ... فأردف راكبا آخر:" ملعش ثورة بقى" .. و ظننته سيقول مثلما أسمعها كثيرا تتردد منذ الثورة وحتى الآن جملة "آدى الثورة و اللى جابته الثورة" ... يقولونها دائما متهكمين ساخرين .. كأنما للثورة علاقة بفساد النفوس و خراب الذمم وتغيير ثقافات إجتماعية راسخة خاطئة ضاربة بجذورها فى الإعماق، و كأنما ستصلح الثورة ما فى نفوس البشر دون تدخل منهم و على وجهة السرعة ؟؟؟!! –

إلا أنه فاجئني وأدهشنى بقوله "معلشى معلش عيد بقى.. انهاردة يوم عيد" و لمزيد من الإندهاش وجدت هنا هذه المرة الجميع يردد معه : "عيد أيوة انهاردة عيد "..

وبالرغم أنها دفاعا عن السائق وعن الباطل، وبرغم أنها لمؤازراته وتشجيعه على حسابى وعدم الوقوف بجانبى ... وكونها مجرد كلمات للتهدئة إلا أنها أثلجت صدرى و أدخلت السرور والفرح إلى نفسى – مثلها مثل أولى جلسات مجلس الشعب بالأمس و التى أثلجت صدرونا جميعا فى ذلك المشهد المهيب الذى أبكى مصر كلها، حينما طالب نواب الشعب القصاص ومحاكمة قتلة الشعب و إستدعاء المسئولين فى ظل تصفيق حاد و ترّجل عن الكراسى للتصفيق وقوفا ..

ليكن أول برلمان حقيقى للشعب بصوت الشعب مطالبا بحقوقه ..



فأيقنت حينها أنه بالرغم من كل ما يحدث إلا أن هناك شيئا ما جديدا يولد ... يهل علينا من بعيد. لائحا فى الأفق ... حقا بطئ الخطى ... عسير المخاض ... لكنه يتحرك ينبض بالحياة، بالأمل ... شيئا جميلا، نبيلا ..

فمن استطاعوا أن يجعلوا ذلك المواطن البسيط يدرك و يعىّ أن اليوم بمثابة يوم العيد ... هم بالفعل يستحقون منا كل تقدير و إحترام و إعزاز عن إستحقاق و بجدارة ... إن تغيير مفاهيم جذرية ... وبناء ثقافة جديدة ليس باليسير ... إلا أنه يحدث الآن حتى بدون وعى ممن يحدث لهم التغيير ... فبالرغم من كل محاولات التشويه المستمرة إلا أن للميدان دورا مؤثرا فى الجميع لا ينكره إلا جاحد ... فكل شئ مهما بدا للناظرين صغيرا فإنه يساهم فى تشكيل الوعى والإدراك، فما الجبل إلا ذرات من الرمال ... وذاك الميدان الذى استطاع أن يحدث هذا ... يدعونا بكل قوة للتمسك به ..

لنتذكر دائما أننا منه وإليه و أن ثورتنا النبيلة الحرة مستمرة، فما ضاع حق وراءه مطالب ... ليبقى دائما الميدان شاهدا على الأحداث ... مُحركا لها ... مترحما على دم الشهداء ... وكما يُقال من يشرب من ماء النيل يعود له مرة أخرى، فمن يذهب للميدان مرة يعود له ثانية ..
ليشعر فى كنفه بالألفة و الوداد ويتنفس نسمات الحرية وعبير الكرامة ..

ليبقى دائما أنا و الميدان دائما خلاّن

فاطمة عبد الله
25 يناير 2012

 

تقييم 

 



لايوجد تعليقات حتي الأن

اضف تعليق جديد

مين اللى كان نفسك انه يرشح نفسه للرئاسة ؟

 

نتائج | استفتاءات اخري



اخر التعليقات