#فادى_رمزى يكتب: فى صحتك يا #شلاتين

كتب بواسطة: فادى رمزى في . القسم اخبار المجتمع المدنى

 

كان هناك مسلسل كوميدى امريكى قديم اسمه Cheers تدور احداثه فى مكان واحد يتجمع به العديد من الاصدقاء. كانت اغنية المقدمة بها عبارة جميلة جدا وهى: Sometimes you want to go where everybody knows your name, and they're always glad you came.

لم ادرك قوة تلك العبارة سوى عندما بدأت العمل الأهلى منذ سنوات عديدة، فبالفعل ما أجمل ان تذهب الى مكان الجميع فيه يعرفون اسمك، ويكونون سعداء بقدومك ... وهذا الشعور بالألفة ينتاب كل فرد من افراد القوافل الطبية لمبادرة العيادة، وذلك حين نتوجه لمنطقة نائية ومهمشة مرة تلو الأخرى لتقديم افضل رعاية صحية ممكنة، ولتعريف الناس ان هناك علم اسمه الطب يمكن عن طريقه توفير حقهم فى الصحة والسلامة .. وهى امور اساسية وليست ابدا على سبيل الرفاهية.

توجهنا لشلاتين للمرة الرابعة خلال شهور قليلة، وامضينا بها اربعة ايام مرت علينا كما لم تمر ايام من قبلها ... فنحن هناك ننعزل عن الزمان ونرى ابعاداً مختلفة للواقع الذى نعيشه اغلب ايام حياتنا ... هناك فى تلك المنطقة الجميلة للغاية والمنكوبة بانعدام الرعاية الصحية بها تتفتح اعيننا على مواطن جمال بديعة وطبيعة انسانية فطرية بريئة، يواصل الاهمال مع الفساد تشويهها وعزلها وحرمانها من الظهور بالمكانة التى تليق بها.

كان ما يميز تلك القافلة الأخيرة هو ان متطوعيها من محافظات مختلفة، منها الفيوم والدقهلية والزقازيق وشمال سيناء والقاهرة والإسكندرية وغيرها ... وكأننا نحاول ان نجمع اطراف واركان مصر كلها فى حضن واحد، نواجه به كلنا هماً مشتركاً، ونحاول من خلاله ان نضع معاييراً واضحة للحياة الكريمة الآمنة التى هى من حق كل واحد منا.

فى شلاتين وجدنا اهلها كالعادة يستقبلوننا ما ان رأوا الحافلة التى تقلنا تدخل شوارع المدينة.

"حمدلله ع السلامة يا دكتور/دكتورة" ... هكذا يروننا كلنا: متطوعين/منظمين/اطباء/مساعدين .. كلنا دكاترة فى نظر اهالينا الطيبين الأعزاء هناك. وبالفعل كل منا يساهم قدر استطاعته فى مجال توفير الرعاية المطلوبة لهم، اذا نحن كلنا نعمل فى مجال "الطب" على اختلاف تخصصاتنا المهنية. فمنا من يعالج ومن يقدم التوعية ومن يدير وينظم لضمان تحقيق العدالة التامة فى الخدمة المقدمة.

نتجول فى فترات الراحة فى "السوق الدولى" هناك .. حيث الكل يعرف اسماءنا وسعيد بقدومنا ... والسوق مكون من محلات قليلة، ولكنه دولى بالمعايير الشلاتينية لما فيه من منتجات، اغلبها تنتمى للعطارة، ياتون بها من السودان ... ومن هنا اكتسب السوق الصفة "الدولية" ... فالعالم بالنسبة لشلاتين يتكون من مصر والسودان فقط لا غير.

نتبادل مع البائعين احاديثاً ودية تدور كلها حول ذكريات مشتركة:

"المرة اللى فاتت اخدتى يا دكتورة من ده، جربى بقى المرة دى نوع تانى"
"القافلة اللى فاتت ماكانش فيه عيادة أطفال سمعنا ان معاكم المرة دى"
"انا الحجز بتاعى الخميس الساعة 2 .. ان شاء الله نلحق المرة دى نخلص حشو باقى الضروس"

نجلس على مقهى "ابو عبد الله" ... مكان انسنا اليه واعتدنا تناول الطعام والشراب فيه بعد ان ننهى عملنا كل يوم فى كل قافلة ... حفظ محمود صاحبه طلباتنا، فى البداية "دور عناب" يروى ظمأنا ثم ياتى الاعزاء محمد اليمانى واخوه احمد بالطعام "المتفق عليه" من قبلها ..

"فراخ ولا سمك" ... جملة اعتاد افراد كل قافلة قراءتها فى منتصف النهار على جروب الواتس اب الخاص بها ... وبسرعة يتم تحديد المطلوب وحصره بواسطة المسئول عن "الامداد والتموين" فى القافلة، ويتم ارسال "الأوردر" لمحمد واحمد، بالموعد المطلوب الذى يجاهدون دوما للالتزام به، فما اقسى الام جوع متطوع فى قافلة طبية تعمل فى منطقة تعانى من ندرة الرعاية الصحية وينتظر الألاف فيها موعد قدوم القافلة للاستفادة من خدماتها.

ايام شاقة نمضيها هناك تضيف الكثير والكثير لنا ... فالتجربة الانسانية عميقة ومشبعة وصحية جدا، وكأن اهل شلاتين هم حقيقة القافلة الطبية التى تعالجنا من امراض ضيق الافق والانانية والانعزالية والتسطيح والإكتئاب، وغيرها من الامراض التى تصيب اهل المدينة .. خاصة لو كانت مدينة "قاهرة" مثل القاهرة.

"احنا مش بنحس اننا موجودين غير لما انتوا تيجوا"

الجملة الاخيرة الجمتنا كلنا حين سمعناها ... كنا فقط نشكر محمود ابو عبد الله على حسن الضيافة واذ به يطلقها بتلقائية شديدة فى وجوهنا ... حينها ادركنا المعنى الحقيقى لكلمة "تهميش" ... وهو ان يشعر الشخص بان وجوده مثل عدمه، منبوذ لا يشعر به او يهتم بطلباته البسيطة احد ... وكأن وجوده غير معترف به اصلا ... اى حياة تلك يعيشها اهالينا هناك؟؟ ... ولماذا؟؟ ... من يستحق ان يعيش هكذا؟؟

هكذا هى شلاتين .. منطقة منبوذة تستحق الكثير من الاهتمام ... بها الامراض وبها ايضا منابع الشفاء ... بها الطبيعة البكر النقية بكل جمالها وبدائيتها ... لا تستطيع العيش هناك طويلا ولكنك تشتاق دوما اليها، وتعد الايام بمنتهى الشوق لموعد الرحلة الشاقة القادمة.

للاسف كانت تلك اخر قافلة لشلاتين .. فمخططنا كمبادرة ان نضع صورة متكاملة لكل منطقة نعمل بها توضح حال الرعاية الصحية المتوافرة والامراض المستوطنة، وذلك من خلال زيارات محددة .. يعدها نضع مقترحا علميا قابلا للتنفيذ ونقدمه للسلطات المعنية وننشره على صفحتنا ونطرحه فى لقاءات اعلامية مختلفة سعيا نحو تطبيقه وبسرعة قبل ان يذهب ضحايا اكثر بسبب تدنى مستوى الرعاية الصحية وقبل ان تهدر ملايين اخرى على تحقيق مجرد "شكل" للرعاية الصحية بلا اى مضمون او معنى ... بعدها ننتقل لمنطقة اخرى نائية لدراسة احوالها.

هكذا فعلنا فى سيوة وفى سانت كاترين وشلاتين ... والقافلة القادمة ستكون فى النوبة بإذن الله.

فى صحتك يا شلاتين يا جميلة يا بريئة ... شكرا على كل ما اضفتيه لنا، ونرجو ان نساهم ولو مساهمة بسيطة فى تحسين احوالك حتى تصبحى فى افضل صحة وتنعمى بافضل الاهتمام والرعاية.

 فادى رمزى

صفحة مبادرة العيادة

أسسها:

سارة سمير - فيفيان ظريف - هارفى جورج - فادى رمزى