نصر النوبة ... والحق فى الظلم

كتب بواسطة: فادى رمزى في . القسم اخبار المجتمع المدنى

 
يولد الانسان بدون ان يختار بلده او موضع اقامته ... ثم ياتى انسان اخر ويفرض عليه ظروف معيشته ويقرر مدى حصوله على حقوقه المختلفة ... ويظل الصراع قائماً بين قوى الخير والشر .. بين اصحاب النوايا السليمة وتلك السيئة ... بين العدالة والظلم ... بين المساواة والقهر ... بين احترام الانسان وبين استغلاله لتحقيق مكاسب مادية لن تثقل من كفة الحسنات مقدار ذرة.

راينا هذا الامر بمنتهى الوضوح فى نجع العرب نصر النوبة ... محافظة اسوان، حيث ذهبنا فى قافلة طبية متجهة الى هناك، فى محاولة لتحقيق ما حققناه كافراد من قبل فى سيوة وكاعضاء ضمن مبادرة العيادة فى مناظق سانت كاترين بجنوب سيناء وفى شلاتين النائية البعيدة.

ذهبنا للتواصل اكثر مع اهالينا المهمشين فى مناطقهم الحدودية القريبة من القلب والبعيدة عن العين، لبذل الجهد معهم من اجل توفير رعاية صحية مستدامة فى تلك المناطق البكر الغنية بناسها وبطبيعتها والفقيرة بسبب اهمالها والمظلومة لاسباب كلنا نعرفها و ان كان يتعامى بعضنا عنها.

"احنا مش تبع حد" .. هكذا ابلغنا الحشود القادمة للوحدة الصحية التى اقمنا فيها قافلتنا، للتأكيد على كوننا مبادرة مستقلة مكونة من مجموعة من المتطوعين لا يتبعون اى جهة او مؤسسة.

"احنا ربنا يتولانا برحمته" هكذا تحشرجت الكلمات الصادرة من حنجرة ام تحمل وليدها، والذى يمكن ايقاف صرخات الامه بمنتهى السهولة لو فقط توافرت النوايا الطيبة لدى القائمين على الامور فى بلدنا (اعتذر عزيزى القارىء عن تلويث المقال بذكرهم).

"قرى التهجير" ... عبارة موجعة قاسية سمعناها من حشود من اهالينا القادمين للوحدة الصحية التى اقمنا فيها قافلتنا ... انقبضت قلوبنا ونحن نسمع السيدة النوبية تصف القرى بهذا الوصف، تخيلوا اعزائى المحظوظين باستقرار الوضع و راحة البال كيف يمكن ان يكون الوصف الرسمى لبيتك وامانك وملاذك يعبر عن عكس كل هذا تماماً ... كيف يمكن ان يكون مستقرك غير دائم .. امانك غير آمن ... وملاذك غير قائم ؟!!

"ضاع منا جيلين خلال التهجير .. جيل الكبار الذى لم يتحمل مشاق التهجير وجيل الصغار الذى راح من قرص الثعابين والعقارب ومن تداعيات المرض" ... بيئة قاسية مرعبة ظالمة قاهرة .. ومعها تجد الفرحة العارمة من بعد فوز منتخب مصر فى الدور قبل النهائى على بوركينا !!! ... شيزوفرانيا لن تجدها سوى فى طينة بلدنا المشتاقة لمن يطهرها من الروث الذى يعمل على افسادها على مدى سنوات طويلة قاتمة.

"ماحدش بيسمعنا" ... "محتاجين ومش لاقيين" ... تلك هى العبارات التى نسمعها حين نسال عن وضع الرعاية الصحية فى المنطقة خلال عملنا ... نتوقع الفوضى والاضطراب عند تسجيل الاسماء للدخول للعيادات المختلفة، فالعدد كبير والمكان صغير والمحتاجين كثيرين والفعلة منا، كاطباء ومتطوعين، قليلين ..

"لو سمحتم نقف طابور" ... فى ثوان قليلة يتكون الطابور !! ... كيف اصبح الالتزام والتحضر على طريقة كن فيكون !!! ... ننظر الى بعضنا البعض متعجبين .... من انتم يا اطيب اهالينا ؟؟ ... كيف اصبحتم هكذا ملتزمين وواعين ؟؟ ... فليأت من يقولون ان العيب من الشعب، وينظروا ما نراه من احترام والتزام وادب.

نعمل بكامل جهدنا والساعات تجرى بسرعة والامكانيات المحدودة تكاد تصرخ من فرط استغلالها ... لا نريد ان نظلم انسانا راى وعاين عن قرب معنى الرعاية الصحية ثم نعتذر له لعدم توافر امكانية تقديمها .. فهو لم يصبه الدور للاسف ... فأهالى النجع كلهم تقريبا فى وضع كارثى من الناحية الصحية وغيرها ... يعمل الاطباء بكل ما اوتوا من همة، يزكون عن علمهم وجهدهم قدر استطاعاتهم، فرض علينا كلنا ان نجتهد ونعمل فى كل ثانية ... كل مريض يصل لدوره نكاد نحتفل بدخوله العيادة، فها هو انسان اخر استطاع التنعم بقدر بسيط من الرعاية ولو ليوم واحد فى حياته، يوم وجد فيه الترحيب باستقباله والطبيب الذى يرعاه والدواء الذى يخفف من الامه.

ثم تاتى لحظة قاسية نتجاهل حتمية المرور بها كلنا حتى لا تشغل بالنا خلال فترات عملنا ... لحظة تأتى فى اخر دقائق فى اخر يوم عمل بالقافلة ... حين تمتلىء الساحة الخارجية بالمرضى المنتظرين لدورهم فى الدخول ... يعرفون ان الوقت لن يسعفهم كلهم ... وينتظرون من ياتى للنداء على اخر الاسماء ..

مشهد له وقع رهيب ... لحظة اشتياق لسماع اسمك، مصحوبة بدعوات ان تنال فرصة الدخول حيث يتم تخفيف الامك او الام طفلك ... امرك ليس بيدك ... فرض عليك مصيرك ثم جائت الفرص لتغييره واذ بها تكاد تتركك ... فى خلال دقائق قليلة سينطفىء نور الامل وتعود لظلمة الوحشة والمرض والشعور بالتهميش ... "ياريت ادخل انا جاى من بعيد ومستنى من الصبح" ... كلنا هذا المريض .. كلنا قادمين من بعيد ... من ابعد ما يكون عن الحقوق الانسانية الاساسية ... شعور قاسى بالغربة يأتى فقط لمن اختبروا ولو لساعات قليلة معنى الحياة فى وطن مؤقت به بعض من الاهتمام والرعاية.

فى الداخل نعمل مع الاطباء على تحديد من الاولى بالرعاية فى تلك الدقائق الاخيرة ... من خلال كشف اولى نفرز من خلاله من يستطيع الانتظار ومن يجب علينا ان ندخله فى الحال ... رجل مسن، طفل صغير، امرأة حبلى، حالة خطرة، الام مبرحة ... مازال العدد اكبر مما يمكننا تحمله ... نفرز مرة اخرى الاوراق، بقرارات قاسية مؤلمة نستبعد اسماء ... لم يقترفوا أى ذنب فقد انتظروا لساعات، معاناتهم لا تختلف عن الاخرين ولكنها بمقاييس العلم اقل خطورة بقليل.

كيف يمكن ان تحدد حقوف الانسان فى الظلم ؟ ..

كيف يمكن ان تقرر من يجب عليه العيش فى الم؟ ..

كيف يمكن ان تحدد من منهم سيصاب بالحسرة بعد ان كاد ان يتلمس الامل ؟

حسرة وغضب وشعور بالعجز يغلف كلمات اعتذار للباقين عن عدم قدرتنا الوفاء بحقهم كلهم ... كلمات نحاول ان نجعلها حانية على قلوب معانية ..
ياتى رد فعلهم مفاجئا لنا ...

"الف شكر ليكم واوعوا تكونوا زعلتوا مننا" !!! ... يعتذرون لنا !!! .. يعتذرون بسبب اسئلتهم المتكررة عن مواعيد دخولهم وعن ان عددهم اكبر من امكانياتنا !!! .... يعتذرون عما ظنوه ارهاقا لنا من السعى من اجل دخولهم !! ... كيف تعتذر الضحايا ؟؟ ... من اين اتوا بتلك المشاعر الراقية ؟؟؟
تركناهم ومعنا الكثير من المشاعر التى جعلونا نختبرها ..

تركناهم ونحن اكثر التصاقا ببعضنا واكثر قربا لاهالينا عشرة العمر الذين لم يعرفونا او نعرفهم من قبل لكننا انصهرنا للابد فى كيان واحد كلنا.

تركناهم عازمين على استمرار المسيرة ... فبدون معاينة كل ذلك الحرمان وكل تلك المشقة ... لن نستطيع الشعور بالراحة ابدا.

تحية تقدير واعتزاز كبيرة لكل اهالينا فى نجع العرب نصر النوبة ... والى لقاء قريب ان شاء الله .. قلوبنا معكم فى كل لحظة.

فادى رمزى

مبادرة #العيادة