#إبراهيم_حمدى يكتب: كان صديقي (2)

كتب بواسطة: إبرهيم حمدى في . القسم ادب

 

 

إضغط هنا لمتابعة الجزء الأول


يدندن بصوت خفيض بيننا .. كاظم :
"قولي لي .. كيف سأنقذ نفسي من أشواقي وأحزاني
قولي لي .. ماذا أفعل فيكِ، أنا في حالة إدمان
قولي لي .. ما الحلّ فأشواقي وصلت لحدود الهذيان "
أتراني بلغت ذروة الهذيان .. صديقي !!

قالها صديقي بعد صمت طويل ، وأردف :
إننى أنا والدنيا والناس قد كُسر بيننا شيء، حتى صرنا لا نجتمع ،

ولدت بيننا خصومة لم أخلقها بيدي لكننى أعيشها واقعاً الآن ، أسمع همهمات الناس حولي وأنظر إليهم وكأننى غريق يري حوله كائنات أخرى ليست من نوعه ، لا أسمعهم ، لا أفهمهم ، ولا رغبة لي أن أفهمهم .
قالوا يوماً أن الإنسان إذا تكلم .. إنزاح عنه الهم ، وإنكشف عن صدره غطآء ثقيل ..وإرتاح

اليوم أوأكد لك صديقي ... أن حتى هذه صارت كذبة .. كذبة إبريلية جديدة !!

من أين تتأتي الراحة وأنت كلما تكلمت إتضحت لك حقيقة تزعجك .. بل هى الحقيقة الأكثر إزعاجاً .. أنك الأن بعيد .. بعيد عن هؤلاء جميعاً .. لا أحد يفهم عنك ما تقوله .. أو ما تريد أن تقوله ، حتى وإن لم تخدمك اللفظة والكلمة فى ذلك.

-------------

كانت السيجارة يومها صديق يتفلت من صديقه !!
كانت تضل الطريق إلى فم صديقي .. لكنه كان يحاول ويقاوم حتى تهتدى إليه .

كان غبارها المتصاعد يرسم صورة تداعب خيالي.. كان لدخانها ظل فى الهواء يتدرج ويلتوى ويتشابك ويتراقص ويتمايل ويمتد إلى أعلي .. كان يشبه فى تمايله وإسترساله ذلك الحلم البعيد الذي لا نناله رغم أن العمر كله يضيع في سبيل البحث عنه ..
حلم الحرية .. الحرية المطلقة .. الطير بلا قيود .. الغوص في أعماق الفضآء الفسيح .. التعلق بين سماء وأرض .. وأنا بينهما فى زحمة الطير .. أطير .. وأنطلق .. وأمتد .. وأبتعد .. وأقترب .. لا أحد يملكني .. ولا شيء يقيدني.

قالوا يوماً أن الإنسان كآئن أرضي يحن إلى أرض تأوية .. وإلى سكن يحتوية .. وذلك وحده يكفيه
اليوم أوأكد لك صديقي ... أن حتى هذه صارت كذبة .. كذبة إبريلية جديدة !!

إنسان اليوم ، كائنٌ ضاقت به الأرض وضاق بها ..،
صار يحن إلى مواطن أخرى يسبح فيها .. مواطن أكثر سعة .. وأكثر عمقاً .. وأكثر سراً ودهشة !!

صار يري نفسه .. طائراً فى الفضاء .. يرجو هذه اللحظة الروحية التى يحلق فيها من علو وسمو ..،
وربما رأى نفسه .. كائن فى أعماق البحار .. تستثيره فيها هذه الألوان والأسماك والشُعب والأسرار ..

أياً كان مقامه .. فهو والأرض في خصام
ولا يبدو لي أن هذا الخصام قريب الحل .. أو أن أحد الطرفين يسعي لحل.

كان صديقي يقضي مع سيجارته لحظات تأني .. لكأن كلٌ منهما يمنح الآخر شيئاً لا يليق به العجلة.
وكثيرٌ ما نمنح ما يؤلمنا لحظات تأني !!

إننا أعجب مخلوقات الله حقاً ،
هذا العجب ليس من منظور رجال الدين والكهنة والأحبار وحسب ، بل من منظور أننا أكثر المخلوقات سعياً إلى ما يؤلمنا ويقتلنا ويحزننا .. ونستمر فى هذا السعي على وعىّ منا .. وسنستمر !!

-------------

سألتنى فى المرة السابقة .. هل كنت طبيبي ؟

قالها صديقي.. ثم أردف
الآن أجيبك ..
أتيت متأخراً .. وكلهم آتونى متأخرين.

أفهم أن يُخدع الناس فيمن لا يعرفون ، لكن أن يُخدعو ا فيمن يعرفون فهذا لا تفسير له إلا أن أحداً منكم لم يعرفني بحقيقتي الكاملة ، أو أننى أعرف عن نفسي تعريفاً ينفصل تماماً عن الواقع .

قد نحت تمثال ضحاك لا يمل من السخرية والمزاح وحمل الأمور على محمل الخفة فى كل شيء ، وعندما إنتهيت منه إستقدمته إليكم وإلى كل من عرفنى خلال السنوات الخمس الفائته ،وأخبرتكم .. هذا هو أنا .. فصدقتمونى

صدقتمونى فى هذه وحدها .. رغم أنكم فى كل شيء غيرها كنتم تحملون قولى على المزاح لا الجد !!

أخفيت فى بيتي وداري وموطنى .. شخصيتي الحقيقة
خشيت عليها منكم ، من أن لا يفهمها أحد .. أو لا يُقدّرها أحد ..

خشيت أن أخبركم أننى شعور حنان تجمع فى مخلوق إنساني يسير بين الناس .. خشيت أن أخبركم أننى أنا الحب الذي كتب عنه نزار قباني وكامل الشناوى وأحمد رامي وفاروق جويده .. خشيت أن أخبركم أننى أنا ألحان عبد الوهاب وعود السنباطي وأشعار سيد حجاب وجمال بخيت .. خشيت أن أخبركم أننى أنا الدراما والوصف والحركة والأداء المختبيء خلف كاميرات يوسف شاهين وعاطف الطيب وداود عبد السيد .. خشيت أن أخبركم أن فى وجداني طفل يضحك مهتز الكتفين كضحكة يحي الفخرانى وينفجر دمعاً إذا بكى كإنفجاره حين يبكي ..

أنا رُحيّم المنشاوي فى علاقته بأمه ـ وأنا شحاته فى علاقته بأبوه ، وأنا شيخ العرب همام فى علاقته بأخوه الشيخ سلّام .

خشيت أن أخبركم بذلك .. لأن هذا هو آخر غطآء لي يسترني

ماذا لو رفعته عنى .. ولم يدرك قيمته أحد ؟
ظللت أتدثر به وحيداً .. حتى عزلونى عن الواقع
اليوم وقد كشف المرض كل ستر ،ما عاد لى حاجة أن أخفي عن أحد أى شيء .. هذا أنا 

-------------

تعلقت عين صديقي بالسمآء .. تعمداً أو عفوية لا أعرف لكنها لا تنظر بإتجاهى .. كانت رموش عينيه تتحرك بسرعة غريبة .. عينيه تنفتح وتنغلق عنوة .. السيجارة تضل الطريق إلى فمه .. كان لكل شيء صوت وحركة وهمس إلا أنا .. كان الصمت هو أنا .. وكنت أنا الصمت .

تجلّت بخاطرى ردود وحكايات أنثرها بين يدي صديقي .. إلا أننى أيقنت منذ اللحظة الأولى أنه وحده .. هو ولا شيء آخر .. فليصمت العالم ويستمع إليه للحظات .. وكنت أنا وسيجارته وفضآء واسع كل هذا العالم حينها .

ورد بخاطري ذلك اليوم .. كم كنت فيه جميلاً

كنت أدرب محاضرين جدد على المهارات اللازمة لأى محاضر أو مدرب تنمية بشرية ، وضربت لهم مثالاً بهذه القصة حينها ، كان هذا إختباراً خفيف الظل أخفف به من وطأة المعلومات المتسارعة وأجواء الجد الغالب على محاضراتي .. فسردت لهم القصة وطلبت من كل واحد منهم أن يقوم مكانى ويعرضها علينا بطريقة تأسرنا وتجمع خطوط أعيننا إليه .. وإليكم القصة كما سردتها يومها :

يُحكى أنه أثنآء الغزو .. كان الخراب والدمار والقتل يخيم على كل شيء .. وكان الرجل العجوز ينصح إبنته أن تحمل جنينها وتفر بعيدا .. بعيداً جداً قبل أن يصل الجنود إلى البيت فيقتلوها هى وجنينها .. كان يأمرها بهذا بكل حماسة وكانت المسكينة تقف كالمحتارة بين أبيها الكهل العجوز وبين طفلها الرضيع .. بأيهما تضحى .. ومع من لابد أن يكون مكانها الآن ؟

حسمت أمرها .. وبإصرار تلبّسها قالت لأبيها : لن أتحرك إلا إذا خرجت معى وهربت معنا وإلا فما أحلاها من موتة يوم أموت وأنا فى حضن أبي وإبني .. تعلق نظر الرجل العجوز بالحفيد البريء .. ما ذنبه هو وحسابات القوى فى هذا العالم ؟

أمام براءته وإيماناً بحقه فى الحياة .. قام العجوز وفر مع إبنته وهى تحمل إبنها .. فر من طرق ملتوية .. أصوات الطلقات تتعقبهم .. الرضيع يصرخ فزعاً .. إبنته تمسك تلابيب جسدها رعباً وهى تجري كلما تخيلت مشهدها لو أمسكوا بها وقرروا أن يعتدوا عليها .. الكهل العجوز تنقطع أنفاسه ويغمض عينيه وهويجري ظناً منه أن أنفاسه تقطعت وأنه سقط ومات ..

عندما إنتبه أنه لازال حياً .. توقف مكانه.

إنتبهت إليه إبنته ورضيعها لازال يصرخ فزعاً .. أشارت إليه ترجوه .. إحتمل أبي .. قاوم أبي .. سيصلوا إلينا .. سيقتلوك يا أبي .. سيخطفوا إبني .. سيأذوني فى نفسي وجسدي يا أبي .. قم يا أبي .. وهو يشير إليها ولا ينطق أن إهربي أنتي لا ذنب لطفل بريء أن يدفع فاتورة ظلم هذا الكون .. وعادت الحيرة إليها من جديد .. أين مكانها الصحيح الآن ؟ ..أبي أم رضيعي ؟

ما كان من المرأة الحاسمة الصارمة إلا أن وضعت رضيعها الصغير فى حجر أبيها العجوز وفرت هاربة .. وأسرعت .. لا ترد على إستغاثات أبيها .. ولم تلتفت لصراخ رضيعها المتزايد والمتناهي إلي مسامعها ..

وعلى مسافة بعيدة وقفت خلف شجرة تداري خلفها من إحتمي بظلها .. وظلت تنتظر .. فإذ بأبيها يحمل الطفل الرضيع ويأتى خلفها حدواً .. يجري وكأنه شاب تمرح بين جنباته عافية لم تعهدها عليه من قبل .. كان يحمل الطفل بإصرار غريب .. كان يجري به هارباً من فم الموت .. كان لا يلتفت ولا يتوقف ولا ينتظر أحداً !!

علا تصفيق حاد .. يا إلهي ما هذا ؟

لقد إندمجت تماماً وأنا أعرض عليهم القصة .. علا صوتي .. وتبدلت ملامحي .. وحكت يداي ما تعجز كلماتي عن حكايته .. فتفاعلوا معها حتى دمعت عين بعضهم .. وفسدت تجربتي !!

الآن ورد بخاطري ذلك اليوم .. لأننى أذكر أنه بعدما رأيت تفاعلهم مع القصة تجاوزت الإختبار الذي أفسدته بتفاعلي مع القصةفإستصعبوا أن يعرضوها كما عرضتها – هكذا ظنوا - فإنتقلت بهم سريعاً إلى مغزى هذه القصة وكلمة السر فيها .. إنه .. الجد الكبير

إنه الكهل العجوز .. ما الذي أقامه وأفزعه ورد عليه روحه وعافيته ؟

قال بعضهم : الخوف .. وقال بعضهم : قلقه علي إبنته .. وقال آخر : بل الطفل الرضيع
قلت لهم : هو ذاك .. مشهد الطفل الرضيع فى حجره .. كان كالهدف الجديد الذي يستحق العيش من أجله
هذا هو مراد إبنته وقصدها حين تركت له الطفل وفرت دون رجعه .. أن عش لهذا البريء يا أبي .. لازال فى الكون من هم بحاجة إليك .. لازال فى هذه الحياة بقايا براءة وبقايا رحمة تستحث فيك غريزة البقاء لتحميها من يد العابثين .

حين إرتأى الكهل العجوز أن هدفه يستحق .. الطفل يستحق .. القيمة تستحق .. قام .. وتجاوز الخوف .. وجازف .. ونجح.

آه يا صديقي .. لو كنت معي يومها وأنا أحكى لهم هذه القصة .. لقد كان درساً لا يُنسي.

كيف أقطع عنك حالة الإنعزال هذه وأقتحم عالمك الآن لأخلط هذه القصه بخلاياك الدماغية فلا تنساها ما حييت .

عالمنا اليوم مهما سآء ففيه ما يستحق أن نعيش له .. صديقي

فى حجر كل منا طفل رضيع .. وحلم بريء جداً .. وقيمة عزراء .. وحب دافيء .. كل هؤلاء فى حاجة لنا ، فى حاجة لمن يعش لهم ، يجازف فى سبيلهم ، يحميهم من واقع أشد خطراً عليهم من خطر الجنود ليلة الغزو ..
الجنود تقتل .. أما واقعنا يمسخك ويترك بقاياك حيّة..
أنرضي بمسخ لأطفالنا وأحلامنا وقيّمنا وحبنا ؟

أترضي بهذا صديقي ؟
سألت نفسي في صمت شجي .
ولازالت عين صديقي تتعلق بالسمآء .. لازالت الأهداب تعاند بعضها البعض فتتلاقي فى عنف إذا إلتقيا .. ولازال الصمت ودخان سيجارته يملء الفضآء الساكت حولنا .

-------------

قال صديقي : أنت تشبهني .. لكنك تفر إلى القراءة.
لا شك عندى أن أى شعور يجتاحنى هذه الأيام قد مر بك يوماً ما .. لكنك تجيد الفرار .. تفر إلى القراءة

حاولت أن أفر إليها مثلك لكن بيننا حاجزلم ينكسر بعد.
فأراني أفر إلى الحب .. الحب يا صديقي .. الحب.

-------------

عاد القيصر بكلمات نزار قباني يدندن بيننا :

قاتلتي .. ترقص حافية القدمين
بمدخل شرياني
من أين أتيت ؟
وكيف أتيت ؟
وكيف عصفت بوجداني

إبراهيم حمدى