#مارك_كاسترو يكتب: العـِطاش

كتب بواسطة: مارك كاسترو في . القسم ادب

 

 

 فيما كان محدثُه يختفى وراء الستارة , كانت تأتيه عباراتُه مفعمةً بالفخر مطعمةً بكلمات

 - زى ما باقولك كده , ماتخافش , إحنا نقدر نطلع العيل ياكشى يكون ماسك فى بطنها بايديه و سنانه.

 حين انتهى من الفحص توقف عن الحديث قليلاً. عاد إلى مكتبه مجدداً فى مقابلة الشاب ذى الوجه الأصفر النحيل الذى بادره بالسؤال :

 - امتى إن شاء الله يا دكتور ؟

- بكره قبل الساعة عشرة تكون انت و جميلة فى الاستقبال . ابسط ياخويا 

قبل المغرب هتكونوا مروحين انتوا التلاتة !

 

جاءت كلمتُه الأخيرة منعشةً لقلبين تألما طويلاً من فرط الانتظار.. أسرع إيهاب متهللاً خلف الستارة ليساعد جميلة فى عدل هِندامها. أمسك بحقيبة يدها حتى انتهت من ربط الطرحة , مفصحةً عن وجه أبيض تام الاستدارة . أزاح قطرات العرق بلطفٍ عن جبينها الندىّ بالفرح . رمقها بحذرٍ مشيراً نحو رأسها, فأخفت خصلات شعرها الداكن التى أفلتت من الطرحة . طلب منها أن تجلس, ثم انحنى نحو قدميها على غير ما جرت أى عادةٍ بينهما , ليحمل عنها مشقة ارتداء الحذاء..

 قبّلت جميلة الممرضة بحرارة باعتبارها رفيقة درب, فيما نقد إيهاب العاملين بالمستشفى بعض المال, لينالا بذلك صُحبةً من الدعوات و الابتسامات و حتى

الزغاريط تزفّهما حتى بوابات المستشفى .

 سارا فى طريق العودة بمحاذاة الكورنيش . تمسّكا بأيدى بعضيهما بلهفة كأنه اللقاء الأول , و كمراهقَيـن يختطفان ساعةً من الليل بعيداً عن الأعين. و للمرة الأولى لاتؤلمها قدماها المنتفختان من جرّاء الحمل . سارت إلى جواره بدلالٍ يتجلى انعكاساً على صفحة النهر المُضاءِ بالمراكب . تسير فى زهوٍ و دلال , فالليلة إثباتٌ أنها كباقى النساء , امرأةٌ مكتملة الأنوثة !

  أخذا يمعنان النظر فى وجوه الصِبية من حولهما , ضحكاتهم , أجسادهم الرقيقة فى طور النمو , لهوهم الذى كان مصدر إزعاج قبلاً . فى ليلة كهذه , كل أطفال الدنيا يبدون أكثر براءة من أى وقتٍ مضى ..

 على الفراش الذى لم يثمر لعشرِ سنواتٍ مضت كان عناقهما فى تلك الليلة حارّا, و عذباً .. ضمّها إليه فى شوقٍ لم يعيقه سوى البطن المنتفخ على أهبّة الطلق. كان من الطبيعى أن يتعجّلا السواعى فى ترقّب الوليد المنتظر . فكم هى عسيرة الليالى التى يستبد بها القلق و الترقّب , و الشوق .. لكن هذه الليلة انفردت بشعورين على أتمهما من الانسجام , و الغرابة ! فلا التحرّق لرؤية المولود كان باعثاً على انقباض القلب, و لا متابعة عقارب الساعة كان مملاً على أى نحو .هذا لأن النبأ حلو , و انتظاره على صدر المحبوب يزيده حلاوة ..

 بين غفوةٍ تروح و تجىء , تلتقط الذاكرة أحداثاً مضت , تعيد ترتيبها , تنفض الغبارَ عن أقدمها , لتشكل منها عشرَ سنواتٍ كاملة على مقاعد الاستقبال فى انتظار الطبيب. رجفة القلب عند سماع التشخيص , تحاليل المنىّ كل ستة أشهر , ملاحقة فترة التبويض بعد كل دورة , الحب الذى تحول إلى اختبارٍ ميكانيكى للتخصيب . الجزم بأن هذه المرة سيحتفظ الرحمُ بمكنونِه و لن ينزف.

  ثم ينزف !

قطع صوتُها الصمتَ الدافىء :

- أخيرا هابقى شجرة . . .

- هاتبقى شجرة ؟!

- أيوه .. هابقى شجرة . و هتبقى لى فروع كبيرة , لحد السحاب. أخيرا الجدور هيجيلها يوم و تنبّت ..

 

 يتبين إيهاب ملامحها الساهية. كانت تشخص لأعلى , إلى اللامحدود . لم يُزد حرفاً. غفا و هو مُطرقٌ نحو وجهها الذى ينير بياضُه عتمةَ الغرفة .

هل كان يشعر بالخزى حيال ما فات ؟ و لمَ هذا الشعور ؟ ألم يكن كلاهما عليلاً ؟!      و لكن بلادنا تغفر للرجل شتى صنوف الخطايا , إلا أن يكون عاجزاً عن الإتيان بالنسل !

 حلّ الصباح بهيّاً , لم يحتاجا منبهاً لإيقاظهما . تلون وجه جميلة بالبسمة التى طغت على شعورها بالإعياء. ساعدها إيهاب فى ترتيب الحقيبة و مستلزمات ما بعد الوضع . استقلا سيارةً أجرة حتى باب المستشفى . لم يتبق لكليهما لا أب و لا أم ليقوم بتلك المهمة . اليدان مشتبكتان حتى آخر لحظة . ستتذكر جميلة الأطياف الأخيرة التى رأتها قبل سريان الخِدر : يد إيهاب المتشبثة بيدها , قبلته الحميمية على شفتيها قبل مجىء الممرضات لاصطحابها , نظرة الطبيب الواثقة عند دخول "الترولّى" إلى عنبر التوليد , دعوة سيدة مسنة لها ترتدى خماراً رمادياً و تمسك بسبحة فضية كانت تنتظر ميلاد حفيدتها ..

 عند اندفاع الضوء الأصفر فى مقلتى المريض , عادةً ما تتدفق معه الذكريات دفعةً واحدة , كأنها تقبض على أوصاله قبل أن تتركه جسداً مسجى بلا حراك .لم تهادنها فى هذه اللحظات مشاهد اللقاءات الأولى حين كانا موظفَين فى مصنع النسيج . الكلمة الأولى , و البسمةُ المرسلة خلسةً وسط ضجيج الماكينات , و جلسة العائلتين فى الصالون المُدهب بعد نزع الأغطية البالية من عليه . تتذكر مليّاً صدمة الأهل , و رفض الأم لهذا العريس الذى يشاركهم الفقر . تم الزواج مشفوعاً بتوسلاتِ جميلة , لتحل بعدها مرحلة التقريع و حتى الشماتة بعد كل شهرٍ لا يُسفر عن حمل .

 مرّت ساعة .. خرج الطبيب متجهمَ الوجه . تنهد عند رؤية إيهاب كأنه كان يتحاشى اللقاء .اقترب منه و أمسك بذراعه فى صمتٍ حتى يتبعه لكن إيهاب تسمّر فى مكانه صائحاً :

- جميلة حصلها حاجة ؟

- جميلة بخير.

- و ابنى ؟

- بنتك . بنتك فى الحضّانة عشان ضعيفة حبتين . لكن مش دى المشكلة !

 فى المكتب نفسه تهيّأ الطبيب لإخباره بالنبأ . أشعل سيجارة و قدم أخرى لإيهاب الذى رفض . بدأ بديباجة عقيمة سرعان ما أدرك أنها لن تجدى نفعاً , فخلص إلى الحقيقة المجردة :

- بنتك عندها إعاقة ذهنية !

- ...

ينظر إليه أيهاب غير مصدق . الكلمات سيوفٌ تذبح سامعها . استكمل الطبيب موضحاً :

- طفرة ! كروموزوم زايد بيسبب التأخر العقلى و بقية الأعراض , زى الشعر الأملس و اللسان الى أطول من الفك , و طبعاً العقم .

 لم يفهم إيهاب على الأرجح معنى الطفرة و لا ما يعنيه الطبيب بكلمة كروموزوم , لكنه استخلص الحقيقة التى ستبقى : أنه أنجب بنتاً ليست كبقية البشر.

 عند باب المستشفى , تحمل جميلة الرضيعة التى لم يسمونها بعد , بينما تقدم إيهاب ليبحث عن سيارة أجرة . ترن فى أذنيهما نصيحة الطبيب التى ستظل عائقا بينهما كلما قارب أحدهما الآخر :  " ماتكرروش المحاولة , كفاية ابتلاء واحد " .

  تعلقت جميلة بالرضيعة مذ أن دُسَّت فى حِضنها و هى لم تزل تحت تأثير المخدر. فعينا الأم ترى – على ما يبدو - ما لا يمكن للآخرين رؤيته .أفاقت على صوت بكاءٍ كانت تموت كل ليلة رغبةً فى سماعه .تشبثتْ بها و بكت للقياها. راحت تخاطبها بكل ما تمليه عليها أشواقُ الأمومة من عبارات يتقاطع معها دمعُ الفرح ,  و كأنها تناست أن تلك الرضيعة لا تفهمها , و ربما لن تفهمها أبداً ...

 من مرآة السيارة ظل إيهاب يتابعهما و هو جالسٌ فى المقعد الأمامى . ثمّةَ إحساسٌ يختبره للمرة الأولى , أن يشرب المرء ماءاً و مع ذلك يبقى ظمآن .. يتأمل ملامح الرضيعة بإشفاق , فكل أب تكمل سعادته عندما يحمله أبناؤه متى شاخ , أما هذه الصغيرة فإن لزاماً عليه أن يحملها طوال حياتِه .. 

 مارك كاسترو