#كريم_فاروق يكتب: كوباية قهوة

كتب بواسطة: كريم فاروق في . القسم ادب

 

فى صباح شتاء دافئ، بعد عاصفة من الامطار المغرية للتأمل، استيقظت على غير العادة ..

اتأمل قطرات الندى تتساقط على خلفية نافذتى، لتصنع خطوطا متعرجة المسار ... ويأتى صوت دافئ قادم من مسجل الاذاعة القابع فى اقصى جانب الغرفه الايمن .. يعلوه رفا من الكتب القديمه مغطاه بطبقة رقيقه من الغبار .. ميزت صاحبة الصوت بسهولة فائقة نظرا لعشقى لصاحبته و هى السيدة فيروز، تلك المرأة التى يضع صوتها عالما خاصا بك تشعرك بأنك الوحيد القادر على كسر كل المعوقات لتعتلى قمة الجبل ملوحا بعلامة النصر. بالطبع لا يكتمل صوتها الا بماء يغلى بداخلى حبات البن اللذيذ، مغمورا بالقدح المعتاد المخصص لى.

بعد الانتهاء من صناعته اتخذت موضعى بجوار المسجل الذى يقابله كرسى اعتاد على مؤخرتى تقبل ثناياه المزخرفه بنقوش لم افهمها قط. يطل ذلك الكرسى على نافذتى الثانية المقابلة للاولى، ولكن تلك واجهتها الشارع الرئيسى للحى.

اتخذت موضعى المعتاد اراقب الناس، ولكن هذه المره كان الوقت مبكرا بعض الشئ، صوت السيدة فيروز يقتحم خلايا اذنى صانعا مزاجا معتدلا .. اعتدل اكثر عندما امتزجت حبات الكافيين بذرات النيكوتين لتكتمل المنظومه اللازمه لاسترخاء جسدى المتهالك بعد ان قضت عليه سنوات العمل.

نعم للحياة طعم مختلف بعد اجتياز العقد السابع من هذا الدهر ..

بعدما فرغت من نصف كوبى هذا رفعته قليلا ليقابل نظرات عينى فى نقطة مستقيمة على بعد لا باس به من صدرى، ادركت حينها ان كل ما مررت به و كل من قابلت يلخصه هذا الكوب ...

كيف ؟؟
كان هذا سؤالى للوهلة الأولى .. لما الان ؟؟

اخذت جسدى بضعة سنتيمترات للامام ... نظرى مسلط على الشارع .. ارتخت يدى قليلا لتجلس القدح فى مكان ما بجوار النافذة.

تدفق كثير للمعلومات و الذكريات .. فى هذه اللحظة و صوت السيدة خلفى يعلو تدريجيا "صارلى اجى 100 سنه مجروح بها الدكان "

تذكرت لحظات الامل و الاحباط و السرور و الحزن و القمة و القاع .. كل هذا يمر كما القطار السريع امامى على تلك النافذة، تتغلغل قطرات الندى مخرجة عقلى من مكانه المريح ف خيال مبهم الاحداث الى واقع مرير كما القهوة بدون سكر.

تذكرت لحظة فرحتى بأول وظيفة و اول نظرة و اول لقاء و اول حديث تتخلله ضحكات و ابتسامات اساسها رضا كامل عن الوضع ... ربما لم اعلم ما يتبعها و لكن حينها اتذكر حتى اول مشروب .. كان كوبا مليئا بالسعادة و القهوة زيادة.

ثم تذكرت هذا الكوب ..

لا طعم له ولا رائحة ... يصاحبه صوت الشيخ يتلو الجزء المخصص للوفاة، و انا متخذ هذا الركن البعيد تصاحبنى دموعى فى حسرة ... كما هو كوب القهوة التعيس فى يدى.


كان رفيقى في مسارات الحياة المختلفه لكنى لم الاحظ ..

كان نعم الصديق و اوفى رفيق ... حتى انه كان يحدثنى بشخصيات من اجالسهم. فعندما يكون لذيذا مظبوطا هذا يعنى ان الجلسة ممتعة، و العكس صحيح تماما. و بعض الاشخاص يحتاجون فقط الى غلوة صغيرة ليعتدل "وشهم" و البعض الاخر يكونون مظبوطين من اول مرة. و بعض الاحيان لابد ان تتلقى دروسا فى كيفية اعداده.

دروس كثيرة تعلمتها فى رحلتى هذه كلها كانت بفضلك يا عزيزى.

كلها كانت برفقتك انت ... فى حزنى لا تتكلم بل تكون صانع ضحكتى و معدل مزاجى،
و فى لحظات الوجع تكون دوائى و فى فرحى تكون فرحا اكثر منى.

نعم لقد تعلمت الدرس و لكن مؤخرا .. انت تعطى ولا تنتظر ان تأخذ.

عندما تختار صديقا اختر من يكون لك ...... كوباية قهوة.

كريم فاروق