#غادة_بدر تقابل: أمرآة فوق العادة

كتب بواسطة: غادة بدر في . القسم انسانيات

 

علمتني امي ان ارى الحياة من خلال عيونها. فرأيتها دوما حياة وردية بألوان زاهية ... فمهما كان حجم الألم فلن تشعر بحجمه اذا تخطيته مع من تحب.

الكثير من الناس يقيسون مقدار الصداقة ويقيموها بعدد الأيام والسنين التي جمعتهم مع اصدقاءهم ... واقيسها أنا بهوى النفس، فأنا من الشخصيات التي قلما ما تجد هواها مع احد. لذا لم يكن غريباً علي ان يكون لي صديقة اتعلق بها من خلال سطور نكتبها سويآ .. ولكنني لم أتخيل يومأ أن أعتبرها رفيقه درب وأنا لم أرها ولم تراني يومأ، واظل افكر فيها وانتظر تعليقا منها على احد بوستاتي او على مقال منشور لي، او أعبث كل يوم في صندوق رسائلي علني اجد رسالة منها.

اعود وافتح معكم بابا من ابواب الذكريات ... انها ليست بذكريات بعيدة ولكنها ذكريات .. حدثت فقط من عامين مضوا.

اصحو من نومي وانا غارقة في احزاني ... فقد اصابنا المرض في مقتل ... كان مدخله لنا عبر اعز الاحباب ... امي وقرة أعيننا انا واخوتى ... وهكذا وجدنا انفسنا دون مقدمات في دوامة العلاج الكيميائي والجراحي والاشعاعي والهرموني و و و. . دوامة لها بداية ولا نهاية لها .. كانت سرعة الأحداث ومباغتتها لنا تربك حياتي وتفوق كل احتمالي ... فلم تكن امي يوما مجرد ام ... ولكنها كانت جبل نحتمي به أمام اي مشاكل نواجهها.

هي الأم والأب .. الحنان والدفء ... السند والحياة .. ارتضت امي قبلنا بقدرها قبل مرضها واعتبرت ان المكتوب على الجبين لابد ان تراه العين ... ظلت امي تسقي ورودها وترعاها ... فهي لا تريد لها الذبول فيصيبنا الشقاء.

لكن لم يكن هذا اخر ما يخفيه لنا الأقدار، فقد استمرت الاقدار في العبث بنا ... ففي دوامة المرض وجلسات الكيماوي تسبب العلاج الكيماوي في ثقب بالأمعاء، وأمتلأت امعاء امي بالصديد ... لم تحتمل امي كل هذا الصديد فدخلت في غيبوبة ومكثت في الرعاية المركزة لمدة تقترب من الشهر.

هنا لم يكن بمقدار الجبل ان يصمد فقد انهارت أمي و خرجت من الرعاية شخصاً اخر ... فليست هذه بأمي ابدا ... ذبلت كل الورود فجأة وذهبت معها الضحكة الحلوة .. ذهب روقان البال وذهب معه الأمان ... تبدلت امي وأصبحت شخصاً اخر لا نعرفه ... شخص ينتظر الموت ويسعى له في كل لحظة ... وهكذا نسيت أمي كل ما علمتنا أياه.

وكأن المرض لم يكن كافيا لامي فقد لازمها ايضا الاكتئاب النفسي .. مكثت بجانب امي اياما واسابيع وشهور، وفي وسط كل هذه الاحداث اضطررت لترك الغالية بين يد اخوتي والعودة للكويت ... ليس لعدم غلوها عندي ولكن لأن لدي عمل ومسئوليات وأبن مريض والتزامات عديدة، فليس من حقي ان اطيل الجلسة تحت ارجلها واستمتع برد ولو جزء صغير من حقوقها علي ... فهكذا هي الحياة.

عدت وقلبي ممزق .. عدت وكأني لم اعد، فقد كنت ألوم نفسي كل يوم على أنني تركتها وهي لم تصح بعد ... وهكذا ظل قلبي معلقا في الوطن. وبعد عودتي بيومين من القاهرة ... أتذكر هذا اليوم جيدا ... كان لدي اجتماع خارج مكتبي، وبعد انتهاء الأجتماع قدت سيارتي والهموم تحيط بي، فمنذ عودتي من الوطن وانا شخص غير قادر على العمل بتركيز ... شخص يائس ... ولذا قررت ان اعرج وانا في طريق عودتي للموقع على المجمع الشهير القريب من موقع عملي، لتصفية ذهني بالمشي في مكان مكيف حيث ان قيظ الحر لا يسمح بأستنشاق الهواء النقي، فلم يكن امامي سوى استنشاق الهواء المحفوظ في انابيب.

وإذ بي اسمع صوتا يهتف بإسمي ... نظرت صوب الصوت فوجدت سيدة في أواخر العقد الثالث.. لم تكن سيدة بالمعنى الصحيح فقد كانت تقاربني في الحجم تقريبا .. فبداخلها تعبث روح الطفلة فتجعلها تبدو لعين من لا يعرفها اصغر من عمرها بسنوات عديدة ... انظر لها فأرى طفلة مرتبكة.
كان اسمها شذا وهي بالفعل كانت مثل شذا الربيع ... تنظر لي ... ثم تسألني: إلست غادة بدر؟؟؟

انا ارتبك فقد ظننت أنني أعرف شذا منذ زمن ولم تسعفني ذاكرتي كالعادة في تذكرها ... فيظهر على وجهي الارتباك واعتذر بأنني لا اتذكرها ... تضحك ضحكة طفولية وتردد: قطعآ لن تعرفيني ... احنا ما تقبلناش قبل كدة.

أخذ نفس عميقآ وأحمد الله وأقول من خلال تنهيدة: آسفة أفتكرت اني كنت بعرفك وناسية .. شذا ترفع حاجب وتسترسل بهدوء: بس احنا فعلا بنعرف بعض. انظر لها بضيق فلم اكن بحالة مزاجية جيدة: أحنا هنلعب ولا ايه ... بعرفك ولا ما بعرفكيش.

تبدأ شذا في شرح كيف انها صديقتي التي ظللت ابحث عنها لشهور مضت .. كانت شذا تتحدث بسرعة تسابق بها الزمن ... تتحدث بعينيها اللامعتين أكثر من لسانها ... إنها الصديقة التي كنت أبحث عن سطورها وسط تعليقات الأصدقاء ... الصديقة التي اشرت عنها بهوى النفس.

شذا صديقة فيسبوكية، قرأت لي مقال اثنين او ثلاث لا اتذكر عن طريق صديق مشترك، فلم تكن وقتها قد دخلت عالمي الإلكترونى بعد، وبعد أن تعلقت شذا بمقالاتي ارسلت لي رسالة رقيقة على الفيس تطلب بأستحياء أن اسمح بأضافتها الي قائمة اصدقائي، وتشرح لي بمسودة عريضة انها المرة الاولى التي تطلب فيها هذا الطلب من احد ولكنها تشعر بي قريبة لها ولأفكارها، وفي بعض الأحيان تشعر أنها تحتاج إلى.

لم يسعني بعد ان قرات رسالتها سوى الشعور بالفخر، وليس الفخر فقط بل ان مشاعر لحب كله صار يملأ نفسى، وهتف قلبي، هناك من يحتاج الي ويرى ما بداخلي ويتوق لصداقتي ... وفجأة اجد ما بداخلي يهتف .... أنا التي تحتاج إليك يا صديقة الفيس ... لا اعلم لماذا تعلقت بشذا وأحسست بأحتياجي لها انا الأخرى، على الرغم من ان معارفي واصدقائي لا حصر لهم .... ولكن كان داخلي هاتف يقول ان شذا ليست بشخص عادي ... فمن خلال كلماتها الرقيقة استشفيت منها انها روح حساسة وشفافة سأحتاج لها اكثر مما ستحتاج لي ... بعد ذلك تبادلت انا وشذا بعض الرسائل الطويلة وتعلقت بها ... ثم فجاءة انقطعت رسائل شذا عني.

انشغلت بحياتي ومع كل انشغالاتي انتظر ان تأتيني رسالة جديدة من شذا ... ابحث في تعليقات أصدقائي عن اسمها ايضا لا أجده.

تمر حياتي وانشغل بالكثير من الآلام والمشاكل والأحداث الدامية، ولا انسى في كل هذا الزحام صديقتي الجديدة واشعر داخلي بغصة، فلربما كتاباتي لم تعد تثير اهتمامها، فيشعرني تجاهل صديقتي لي وكأنني كاتبة خانها احد قراءها.

انظر اليها وأهم بأن اعاتبها عن جفائها لي في الفترة الأخيرة، ولكنها تفاجئنى كعادتها معي بأن تفتح لي قلبها على مصراعيه ... وبصراحة وبدون تحيز او مجاملة لم أر في حياتي قلبآ صادقا نابضآ بكل ما يحويه مثل قلب شذا ... فلقد ندرت تلك القلوب.

بعد ان تقص لي شذا قصتها اشعر بالخجل من نفسي، فعلى من ان شذا في عمر الزهور و فى ربيع الأنوثة، إلا أن ما صادفته في حياتها كان أكبر بكثير من احتمال البشر ... فقد اكتشفت شذا انها مريضة بنفس مرض امي الذي لايرحم كبير أو صغير ... وعندما علمت شذا بمرضها لم تنهار ولم تفقد ثقتها بالل،ه تقبلت اقدارها ولكنها حملت هم شيئا واحداً، وهو أن تعرف امها التي تعيش في الوطن بعيدة عنها بأميال بمرضها.

ارادت شذا الا تعلم امها شيئا عن حالتها الصحية ... جلست مع زوجها يتبحاثون فى الأمر ... فقد كانت شذا معتادة كل عام، بعد أنتهاء أولادها من امتحاناتهم، على أن تطير لترتمي في حضن الحبيبة، وهكذا اعتادت الأم أن تنتظر هلال ابنتها واولادها كل عام بفارغ الصبر. ولكن هذا العام غير سابقيه فستبدأ شذا قصة جديدة مع رحلة طويلة من العلاج الكيماوي والجراحي والاشعاعي والهرموني و و و ... فالقصة طويلة ولن تنتهي فصولها في شهر او اثنان أو ثلاث.

لم يشغل بال شذا كل تلك المراحل العلاجية أو تأثيرات العلاج من سقوط الشعر والحواجب أو جفاف الأظافر وتغير لونها ... لم يكن يشغلها ايضا حالة الغثيان المستمرة التي تشعر بها بعد كل جلسة كيماوي أو هزلان الوزن وضعف المناعة والبنية الواهنة الذي بات مظهرها المعتاد ... كان يشغلها فقط أن تظل متماسكة وقوية وأن تظهر مظاهر السعادة في نبرات صوتها عند كل مكالمة تليفونية تجريها للحبيبة الغالية فلا تشعرها بمرضها، مكالمة تتأسف خلالها عن عدم قدرتها على السفر لاضطرارها ملازمة زوجها فى الاجازة الصيفية، لأنه مشغول في بحوثات هامة فى عمله ولذا عليها ان تقف بجانبه كما عودتها دائما.

شذا كان كل همها في رحلة مرضها الآخرون ... فقد حرصت الا يشعر الآخرون بألامها .. امها ... اولادها ... زوجها ... حتى انا ايضا كان لي نصيب، فشذا الرقيقة تحاول ان تسترضيني ... فقد ظلت شذا تعتذر لي وهي تروي لي معاناتها مع المرض، وعلى انها لا تقوى على أن تعلق على مقالتي مثل باقي الأصدقاء.

كانت تفكر منذ اسبوع مضى أن ترسل لي رسالة تطلب فيها ألا أنساها في المنشن، لأنها حقا تنتظر مقالاتي، فهي تخفف عنها بعض من الآم المرض ... وكانت تخاف أن انساها أنا أيضآ عندما لا أجد منها اي تفاعل مع المقالات مثل باقي الأصدقاء ..

كدت أبكي وهي تحدثني وأقولها لها أنا التي يجب أن تعتذر ..

ثم تستردف شذا وتقول: وكأن الله قد سمعني ... فصادفتك اليوم في طريقي وعرفتك بقلبي قبل عيني لأبوح لكي بمكنون قلبي وازيح عنه بعضا مما يثقله من هموم ... ثم استرسلت بأسى، فحتى كتابة الرسائل اصبحت تتعب اعصابي يا صديقتي بعد ان كانت متعتي وملاذي.

لم تسعفني الكلمات فقد كنت في حالة ذهول، فشذا تعرفت علي بقلبها وساعدتها صورة لي على الفيس بوك، على الرغم من أن الصور لا تنقل لنا دائما الحقيقة. فالصور جماد ونحن احياء .. ولكن شذا عرفتني بقلبها قبل عينيها ... وانا أيضآ سمعتها بقلبي قبل أذني.

ومن يومها أصبحت انا وشذا أصدقاء، لن اكذب عليكم واقول اننا نتحدث يوميآ أو أسبوعيا، فمكالمتنا في الغالب شهرية ولكنها قد تمتد الي ساعة او ساعتين وفي بعض الأحيان ثلاث ... تخبرني فيها شذا وتقص لي قصص غريبة عن كل ما يحدث في حياتها. قصص عن إمرأة مصرية خارقة لا يهزمها اي مرض ولا يدخل قلبها اليأس. فمرض شذا لم يمنعها أن تكون ام حنونة تراجع الدروس مع أولادها وتعد لزوجها أشهى المأكولات، ولم يمنعها أيضآ من إيصال أولادها الي مدارسهم صباحآ كعادتها منذ سنوات مضت. لم تمنعها جلسات الكيماوي من متابعة أولادها لأنشطتهم الرياضية.

يومها أتذكر ان صديقتي شذا تركتني وأنا اشعر بمدى ضآلتي أمامها ... إنها نموذج للمرأة المصرية الأصيلة التي لا يرى الكثير مدى أصالة معدنه الا بعد فوات الاوآن.

شعرت انها رسالة من القدر جاءت لي في الوقت المناسب لكي تعلمني درسا بأنه لا يأس مع الحياة، ولتجعلنا انا واخوتي نشق مع امي طريقا جديدا من الامل ودروب جديدة من التفاؤل. ولنستعيد رؤية الحياة بعيون امي بألوانها الزاهية ... ولنهزم معا مرضا حسبنا يوما انه اقوى منا ... فأدعو لشذا ولأمي ولأي مريض بأن يكون عام 2017 عام شفاء وخير وسعادة لكل مريض.

صادفتني شذا وانا في قمة اليأس ..

تركتني وانا في قمة الأمل ..

اخذت بيدي وواستني، وانا من كنت أأمل ان اخذ بيدها وأواسيها.

غادة بدر