#غادة_بدر تكتب عن: شجرة توت

كتب بواسطة: غادة بدر في . القسم انسانيات

 

في يوم من ذات الايام كانت لي صديقة ... كنت وقتها أعتبرها من اعز أصدقائي. فقد كانت تصادفني يوميا في طريق عودتي الي المنزل من مدرستي في المرحلة الابتدائية، وهكذا صارت بيني وبينها ألفة عجيبة ... لم تكن صديقتي من البشر بل كانت شجرة ... نعم شجرة توت ... فقد كنت حينها من عاشقات حبات التوت.

في حقيقة الامر مرت حياتي بمواسم فواكهية .. وكانت هذة مرحلة موسم التوت. ولكن للأسف لم تكن حبات التوت تزور منزلنا الا نادرا ... فقلما ما كانت امي تشتريه لنا ... ولذا كنت اشتاق له كثيرا، وهكذا كنت عندما امر في طريقي يوميا على شجرة التوت. لابد ان القي عليها بتحية الطريق ... واظل للحظات اقف تحتها متسمرة.

أنظر أليها واغمض عيناي وأبدأ رحلة من الاحلام والأمنيات ... يوما تمنيت ان اكون طويلة في نفس طول صديقتي هناء ... حتى تطول يداي فروع الشجرة فأهزهم فتنزل حبات التوت وتستقر في فمي ... يوما اخر تمنيت ان اكون قد ولدت ولدا ... ولد شقي جرىء قادر على تسلق الشجرة والتقاط حبات التوت.

وهكذا كنت عندما اعود للمنزل اظل فترة الظهيرة احدث نفسي، لو انني طويلة شويتين كنت اكلت كل يوم توت ... وتاني يوم اقول لنفسي لو كنت طلعت ولد زي وليد بن خالتي كان زماني اتشعلقت وغرقت أخواتي بالتوت.

في يوم من الايام ميلت على وليد وطلبت منه طلبآ ... اتذكر وقتها انني كنت في السنة الثالثة ابتدائي ووليد كان يسبقني بعام واحد ... وبعيون كلها براءة قلت له : وليد ممكن بكرة وانت راجع من المدرسة تستناني ارجع معاك.

وليد بتكشيرة: ليه؟؟؟؟

انا: اصل .. اصل .. اصل .. فيه شوية ولاد بيضايقوني وبيضربوني كل يوم وعايزاك تدافع عني.

وليد: طيب استنيني جنب عم حسين فراش المدرسة .... فاهمة جنب عم حسين ... وماتمشيش غير لما اجيلك ... فاهمة.

وبالفعل حدث فقد انتظرت وليد بعد انتهاء اليوم الدراسي وبدأنا معا رحلة العودة ... وكل شوية وليد يقف ويتلفت حوله ويقولوا وهو نافخ صدره امال فين العيال دي ... وانا ارد: لثة شوية ... وعند اقترابنا من الشجرة فجاءت وليد بطلبي الحقيقي.

انا: وليد وليد وليد ممكن طلب تاني

وليد بعد ان شاهد التوسل في عيني تسرع في الرد: أتفضلي

انا: ممكن تطلع على السجرة وتجبلي ثوية توت وانا هقف تحت احرثلك شنطة المدرسة.

من الواضح ان هذه كانت أول تجارب وليد في تسلق شجرة ولكنه قد خجل من مصارحتي بأنه مايعرفش .. خوفا من ان يفقد هيبته أمامي. المهم طلع وليد فعلا جاب التوت ولكن في رحلة النزول وقع على جدور رقبته ... بصراحة الموضوع ده لم يكن مهما ولكن المهم اني استطعت التقاط حبات التوت قبل سقوطها على الارض.

ولكن المفاجأة المؤسفة ان التوت لم يكن له طعم توت امي ابدا ... فقد كان اخضر مرا كالعلقم ... وعند هذه اللحظة التاريخية أنقطعت جميع اواصر صداقتي بشجرة التوت.

في طريق حياتي صادفت الكثير ... نعم صادفت أصدقائي المحبطين ... المعلقين على شجرة التوت المسماة – لو –

وجدت الحسرة مرسومة على وجوهم والندم قابع في عيونهم ... تندمآ على ما فاتهم من فرص صادفتهم في طريق حياتهم أو نصيب اخطائهم وكان من نصيب غيرهم. أتذكر وقتها كم كنت صغيرة في هذه السن ولم تختبرني الحياة بعد، فظننت أنني قادرة على رسم البسمة على شفاهم لعلنا معا تكون لدينا القدرة على تخطي هذه المرحلة من الحياة والمرور فوق جثث أحلاما أصبحت يوما سرابأ بعيدة المنال.

ولكني في النهاية، وبعد ان تأكدت من تشبثهم بالأحلام الضائعة ... اضطررت الي تركهم خوفآ من الضياع معهم، فقد كانوا يصرون على سحبي معهم إلي دوامة أحلامهم الضائعة ... فتركتهم عالقون في كلمة لو.

أحد اصدقائي اتذكره جيدآ ... سمع هذا الصديق يومآ عن صديق لصديق لصديق أخر له قد فاز في مسابقة الكنز بجائزة مالية قدرها مليون جنية !! ... فظل صديقنا من يومها يدخل كل انواع مسابقات اليانصيب ولا يمل من قول: لو أني كسبت الجائزة الكبرى في هذة المسابقة مثل فلان لأنتهت جميع مشاكلي .. ظللت لوقت طويل احاول اقناعه بأنه لو وفر كل هذه الاموال الطائلة التي صرفها على مسابقات النصب لأنتهت بالفعل جميع مشاكله ولكنه ظل متعلقآ بأماله الخايبة.

صادفت يومآ في رحلتي المهنية أيضآ احد الزملاء كان كل يوم يردد امامنا... لو أني تزوجت زميلتي في الجامعة التي احببتها حبا لا يوصف بدلا من هذه الكئيبة بنت الكئيبة لأصبحت اليوم أسعد إنسان ..

في يوم ما بعد ان رأيت بعيني انه رايح في سكة اللي يروح ما يرجعش، أخدته على جنب قلتله حسن يا بني صدقني لو أتجوزت نعيمة كانت زمانها كرهتك في عيشتك صدقني كده احسنلك كتير ... انت فاكر انها لسة غصن البان اللي سبته من كام سنة ... ده زمانها دلوقتي بقت هي كمان شجرة جميز وجامبو كمان ... خليك يا حسن عايش في حلمك بدل ما يبقاش عندك أمل او حلم تعيش عليه وتفضل عايش جوة كابوس نعيمة.

أما صديقي هذا. فقد صادفته في رحلة الدراسة في مقتبل عمرنا ونحن لا زلنا في مدرجات العلم ... كان زميل لأصدقاء لي ألتحقوا بكلية نظرية ... دوشنا زميلنا هذا بحلم السفر إلى أمريكا لغسل المواعين وكأن مافيش مواعين هنا ... وكان دائمآ يقول: لو أني هاجرت إلى أمريكا لحققت كل أحلامي، وكان زماني بقيت مليونير ... وكنت دائماً ما أنظر إليه وانا عاوجة بقي: طيب يا عم حقق نصها هنا الاول.

المهم سافرت ورجعت وسافرت ورجعت وبعدين سافرت تاني وبرضه رجعت واخينا لسة قاعد تحت قهوة بيتهم ... بيحلم بغسيل المواعين ... انا نفسي أقوله يطلع ياخد فمين مع مراته احسن.

ولن أنسى أيضا صديقي الذي كان يعاني من ضعف بأحدى عضلات القلب، مع العلم ان هذا الضعف لم يكن عائقا ابدا في زواجه وانجابه البنين والبنات فقد كانت حالته احسن من كثيرين غيره، ولكن صديقنا هذا كان دائمآ ما يجعل من مرضه مأساة يعلق عليه فشله
فتجده دائماً ينهي كل حديث له قائلا: لو أني تخلصت من هذا المرض المزمن الذي ينغص حياتي لبقيت في مكان تاني خالص .. على الرغم من أن مرضه لا يعيق حركته أو أنتقاله من مكان الي أخر. وكنت دائمآ ما أردد في أذنه أن هناك الكثيرون ممن أبتلاهم الله بما هو أشد من ذلك واصبحوا من عظماء القوم فيرمقني بنظرة غاضبة حانقة.

لو .. لو .. لو ..

دائمآ ما نستسهل ونبسط حياتنا في كلمة لو ونعلق عليها شماعة فشلنا.

وهذا ما يقع فيه كل إنسان منا حينما يتصور أن كل حياته تبدأ وتنتهي عند الحصول على هذه المرأة .. إذا فقدها ضاعت حياته .. وإذا فاز بها فاز بنعيم الدنيا والآخرة .. او لو حصل على وظيفة معينة او لو هاجر الي دولة بعينها.

ونتيجة لهذا العمى الحيسي والرؤية المتوحدة من زاوية واحدة المركزة تتوتر أعصاب اصدقائي فلا يعرفون طعمًا لأكل أو نوم أو راحة ولا يعرفون قيمة ما بين يديهم ... بالرغم من ان ما بين يديهم هو الكنز الحقيقي، ولكنهم يصرون على الدوران حول الشجرة ... وفي الغالب يكون مصيرهم هو عدم التقدم خطوة والوقوف محلك سر والاكتئاب المزمن وترتسم على وجوهم شخصية قاسم السماوى.

يعني تخيلوا معاياه ان لو مجنون ليلى تزوج من الأخت ليلى، انا متأكده انه كان ساعاتها اتجنن اكثر من كتر طلبات ليلى المستفزة ... تخيلوا معايا ليلى جايبه سطل المياة بتدلقه على دماغ اخينا قيس الغارق في نوم العسل وبتقوله بعلو حسها: أنت يازفت قوم جيب الدوا لبنتك اللي عندها اسهال من امبارح ... وماتنساش يا خويا وانت راجع تعدي على أمك تستلف منها قسط الجمعية ... وقبل ما تمشي وتسيبه تقول بعلو حسها: كان يوم أسود يوم ما أتجوزتك.

طبعاً بعد نزول الدش البارد في هذا الصقيع على دماغ اخينا قيس يحدث تلف في كل خلايا مخه الحيه فيصبح قيس ليس بمجنون ليلى بل بمعتوه ليلى.
قطعًا حينها جميع الرؤى الشعرية والأطياف الملائكية ستتبخر من دماغه وحتما سنراه يمشي في الشوارع في حالة عته ميئوس منها ... يمص أصبعه وبعض عليها تندمآ على زواجه من ليلاه.

ولكن الله سبحانه وتعالى الحمد لله أنقذه من هذا المصير الأسود ولم يبلغه مراده لأنه أراد أن يكون له شأن كبير فتظل ذكراه خالدة في أذهاننا عبر الأزمان.

انها ليست دعوة للتخاذل والوقوف محلك سر ...

صديقي ..

حاول واسعى والله سيكون معك في كل خطواتك، ولكن ان تجلس لتمصمص شفتاك متحسرا على ما فاتك من فرص فهذا ما لا اتمناه لك وخذها مني حكمة ... فالله سبحانه وتعالى لا يختار لنا السئ. ولكنه يختار لنا الافضل دائمآ، ولكننا نحن من نسئ لأقدارنا.

وعلى الرغم من اني لم انتظر شجرة "لو" ... وسعيت للتوت ... ولكنه في النهاية كان كالعلقم في فمي ... لكننى اذكر نفسى طوال الوقت ان الله يختار لنا دائما الأفضل.

غادة بدر