#نبيل_النجار يكتب: الراقص مع الكلاب

كتب بواسطة: نبيل النجار في . القسم انسانيات

 

فى لحظة شرود داخل أنغام سينفونية بيتهوفن تتلاعب أيادى المايسترو بين أصابع البيانو البيضاء والسوداء لتتحرك داخل مدارات الحياه، على الجانب القاتم تبدو العتمه و يخيم الظلام كخريف طوى صفحاته على جمال السماء ... أما على الجانب الآخر فتبدو الأيادى الناعمة لتشكل رسما من فن تجريدي او لوحة كلفت معالمها مليارات الجنيهات لتظهر بالشكل المألوف لا يفهمها سوى أصحابها.

كلا الجانبين يمثلان طرفى المجتمع اللذان لا يمكن أن يفترقا ابدا، ككرات الدم البيضاء والحمراء داخل الجسد.

وبين هذا وذاك يشترك الجانبان فى نوع جديد من الرقص ... أطلق العنان ليرسم الإبتسامة ويضيف شعورا جديدا يراه كل منهم على طبيعته الخاصة.

لم أتخيل يوما ما أن تكون الكلاب هى السمة المشتركة بين الطرفين، لتكون أوفى من أجناس بشرية لا تدرك جيدا ماء الحياه، أما داخل أروقة الشوارع فتعيش بقايا من أشلاء الذل والمهانة إن صح التعبير، فتستنكر طعم الحياة وتعيش داخل كوكب آخر تصنع تفاصيله بنفسها.

أما عن بطل المسابقة فهو لا يختلف عن الكثير ممن أرخت عليهم الدنيا بالجلد وأرهقهم برد الطرقات فأذاقهم لسعة الجوع والحرمان، وما جعلنى أحرك ساكنا وأكتب كلماتى تلك، كى تنفذ إلى قلوب لا زالت عامره بما بقى من ميراث الأجداد، هو حينما قرأت مقالا يجسد شخصية مماثلة نراها كثيرا ولا نشعر بها ... طفل كان ضحية أسره مفككه ألقت به فى سراديب الحياه التى لا يعرف مداها، فانتابه خوفا من أن تنفجر قنبلة موقوتة فيه فتقضى عليه ويحفر إسمه ضمن النصب التذكارى للجندى المجهول.

داخل الشوارع يقضى أوقاته ولا يزال لدية بصيص من الأمل، يلقى بثناياه عليه رغم كل ما عاناه، فهو لم يعرف يوما الأيدى الناعمة لكنه كان دائم العمل يسعى لتوفير احتياجه اليومى من الغذاء، وتكسوه مشارف الأبراج الفارهة لتخفف عنه هونا من لسعة البرد. يعيش على أعتاب الحياه لكنه لم يجرؤ على أن يتخطاها، يستمتع بالمناظر من بعيد ويفرغ طاقاته الإبداعية فى فن الرسم لشخصيات من خيال كرتونى تعايشة زهرة عمره اليافعة.

لكن الغريب فى ذلك أنه يتخذ من الكلاب رفيقا له، وكأن رأيه أنها هى من تشعر به وتخفف عنه آلامه وتداعبة، لا يبخل عنها بالطعام ولا عرف قلبه الكبير معنى القسوة التى أحس بها فى أعين الآخرين، يريد أن تحتضنه تلك العيون ... لكن ما ان ينصرف عن تلك الهواجس حتى تستيقظ أعينه على كابوس الحقيقة.

وحينما يحس بفرحة صغيرة يترك نفسه فى رقصة تأخذه إلى عالم آخر مع أصدقاءة من الكلاب، فهو يجيد الرقص لكنه لم يجد سوى رفقائه ... يستمتع معهم ليفرغ طاقاته ويتناسى مشقة يومة.

أما على الجانب الآخر فنجد من يرقص مع كلابه النظيفة ويستمتع معها فيدللها ويشترى لها طعاما خاصا، فصار حلما لصاحبى الشقى أن يشاركهم فيه، فهو لا يجد أفخر أنواع أطعمة الكلاب ليأكلها !

على الجانبين نجد الإستمتاع بالرقص مع الكلاب ... لكن شتان بين هذا وذاك ...

شتان الفارق بين حياه مترفه وحياه ضنك ..

وبين كلاب نظيفة وكلاب ضالة ..

لكن الرقص لم يمت .. فهل هذا هو التوازن المجتمعى الذى نعنيه ؟!!

للأسف صارت القضية فاترة طالما تحدثنا عنها، ولكن لنا أن نتخيل حجم المأساه التى تعيش فيها طبقة معدمه لم تجد حقها فى التعليم والصحه والمأوى والعمل ، ولديها من الطاقات الإبداعية الكثير والكثير لكنها لم تجد من يمد لها يد العون.

كل هذا نتيجة خلل إجتماعى كبير فى بلدنا، التى أغرقت المشاعر الإنسانية فى طوفان من لقمة العيش والعلاج وغيرها من الاحتياجات الأساسية ... اصبح لدينا إنسان لا يشعر بغيره و موارد وثروات تفتقد العدالة فى توزيعها وتحكمها المصالح وترعاها السلطات لتكون بؤرة من الفساد تنخر فى عظام المجتمع.

ولكن لنا أن نعرف أن كلتا الطبقتين فى إحتياج لغيرها ... فلم يكتمل بناء مجتمع بدون أساس وسواعد، وإن كان هناك ترقيعاً مستمراً فى النسيج المجتمعى فهو لن يستمر للأبد وسيشكل خطرا كبيرا علينا لن ندركه الآن !!

ولكن ما علينا الان هو أن نعلم أولادنا كيف يبنوا حياتهم على اسس انسانية تبرز دورهم فى المجتمع، حتى نبنى بشرا قبل أن ندخر نقوداً ... ويجب ان نعمل على الا نقتل إبداعهم ومهاراتهم ومواهبهم.

ولننظر لأنفسنا جيدا ونتذكر أن الأبناء أمانه سنسأل عنها، وحتى وإن كنا مخطئين فى حق أنفسنا فيجب علينا ألا نخطئ فى حق أولادنا ... فهم روح الحاضر وأعمدة المستقبل شئنا ام ابينا.

نبيل النجار