#غادة_بدر تكتب: ماذا لو عاش حلمى؟

كتب بواسطة: غادة بدر في . القسم انسانيات

 

علمتني أمي دائمآ أن أنظر إلي النصف المملوء من الكوب حتى لو كانت به بضعة قطرات قليلة ... ولذا عندما مات ابي لن أكذب عليكم فلقد بكيت بكاءً مرآ في البداية حتى جفت الدموع من عيناي ... ظننت أنني الوحيدة في هذا العالم المبتلاه والمحرومة من حنان الأب، ولكن سرعان ما أحتضنتني أمي فلملمت أشلائي المحطمة وتداركت انني افضل من كثيرين غيري ... فلازلت أمتلك الكثير ... فلدي امي الغالية واخواتي الأحباء وأهلي وخلاني وأصحابي ولذا فأنا في نعمة كبرى ... نعمة يفتقدها الكثيرين.

وهكذا كنت عندما تغمق إلوان الحياة معي ... أسرح في دنيا الخيال وأتخيل ألو كانت امي بعد الشر بعد الشر هي من ماتت وتركتنا وحدنا مع أبينا ونحن في سن الطفولة ... ماذا كان سيكون مصيرنا؟ ... هل كان ابي بمشاغله الكثيره وسفره الدائم وعمله المهم سيتفرغ لنا ويترك كل هذا الهيلمان ليرعانا ويكبرنا وينشئنا على القيم السليمة والمبادئ القيمة ؟؟؟

هل كان سيوهب لنا حياته كما فعلت أمي ويبني داخل كل واحدة منا حلم ان تصبح مهندسة مثله ؟ او اي وظيفة لها قيمة في المجتمع ؟ ... بالتأكيد لا ... ليس تقصيرآ منه بقدر ما هى امكانيات ... امكانيات أم تتفانى وتهب حياتها لأولادها ... وأب يدير عن بعد.

قطعا ابي كان سيحزن لوفاة امي، فقد كان يحبها كثيرا ... ولكنه حتما لم يكن ليرتدي السواد لمدة عام كامل ... لربما كان سيغلق التلفاز في شهور الحداد ولكن ليس لمدة عام كامل ... الشيء المؤكد ان ابي كان سيحزن ويتحمل عدم وجود زوجة في حياته لمدة عام او اثنين، لغلو مكانة أمي لديه، ولكن ليس اكثر من ذلك ..

سيتذرع أبي بأن البيت في حاجة الي إمرأة تديره وتدبر أموره، فأختى الكبيرة لازالت في سن الثانية عشرة وانا في التاسعة والصغيرة لم تكمل الرابعة بعد واخي في الخامسة من عمره ... أربعة مصايب حتة واحدة.

بصراحة انا شخصيا أبويا كان هيصعب عليا ... خلاص يا حلمي اتجوز يا خويا وماله برضو الجواز سترة ... جيبلهم مرات اب تربيهم ... دول فعلآ عيال ناقصة رباية بجد ... وخصوصا البت اللي ما تتسمى غادة.

نجوى تدخل المنزل .. تحتضنا بعمق ... تخترق أظافرها الطويلة المغموسة بطلاء الأظافر ظهورنا النحيفة ... ثم تبتسم إبتسامة واسعة تظهر أسنانها البيضاء وتدير وجهها لأبي: حبايبي دول ... هيكونوا في عينيه من جوا جوا يا حلمي (حلمي ده يبقى ابويا انا نسيت اقولكم ان ابي في حقيقة الأمر اسمه محمد بس بيقولوا يا حلمي ... يالا فرصة بقى احكيلكم قصة اسم حلمي دي ... جدي الله يرحمه كان ناظر مدرسة ثانوي في بلد اسمها كفر كلا الباب ... في البلد عندنا بيقولوا عليها كفركلا ... أسم البلد دي ليها قصة برضوا ...بس مش وقته.. المهم كانوا ساكنين في بيت ضخم وخدم وحاجات من دي ..

اثناء حمل جدتي الله يرحمها ... في والدي الله يرحمه برضه ... ابي كان اول فرحتها قبل وصول أعمامي الله يرحمهم ... جدتي وهي حامل يصلها خبر مؤسف وهو موت خالها الذي كانت تحبه ... خالها الله يرحمه كان يعيش في تركيا حيث جذورهم الاساسية، وكان هذا الخال يدعى حلمي ... تندر جدتي ان اتاها ولد لتسميه حلمي، وبالفعل يحدث المراد ويأتي ابي الي الدنيا.

ينادي جدي على احد الخدم الذين يعملون لديه في المنزل ...
جدي: واد يا محروس تعالى ... "يحضر محروس لاهثا وطرف جلبابه في فمه" .. خد النص الريال ده حلاوة أول فرحتنا .... بس عارف مكتب الصحة اللي في السنطة (السنطة دي مركز بلدنا اللي هي تبع طنطا؟

محروس: طبعا يا ساعدة البية
جدي: تروح جري تسجل سيدك حلمي
محروس: حمامة
يذهب محروس مسرعا فرحا بالنص الريال ولكن في منتصف الطريق يقرر فجأة العروج على منزله ليدخل الفرحة الي قلب مسعدة زوجته ويعطيها النص الريال ... وعندما تفتح مسعدة له باب المنزل تصل إلي أنفه رائحة طبيخها الذكية فيقرر الجلوس لتناول طعام الغذاء ... بعد انتهاء محروس من وجبة الغذاء مباشرة يغفو في سبات عميق وهو جالس على كرسيه ثم يصحو فجآة فزعا متذكرا ان مكتب الصحة يغلق ابوابه في الساعة الثانية ظهرا ... يقرر محروس الذهاب لتسجيل ابي في اليوم التالي ... طبعا في هذا اليوم يختفي محروس من أمام جدي تمامآ.

في اليوم التالي يلبس محروس ملابسه ويتجه مباشرة الي مكتب الصحة ... وفي المكتب يحاول محروس بشتي الطرق تذكر الاسم المختار لابي ولكن هيهات ... وفي النهاية يقرر ان يسجل ابي بأسم محمد قائلآ في سره: ما هو طالما مسلمين يبقى محمد كويس قوي ... أيه لزمة اللخبطة.

يعود محروس ويعطي شهادة الميلاد لجدي مطوية ... يأخذها جدي من يد محروس ويضعها في خزانة غرفة نومه دون ان يفتحها.

يكبر ابي والكل من حوله يدعونه بحلمي ... روح يا حلمي تعالي يا حلمي ... تأخذه جدتي بين أحضانها وتضعه على أرجبها وهي تغمره وتحدثه: حبيبي يا حلمي ده أنت متسمي على اسم الغالي عايزاك تكبر وتبقى مهندس قد الدنيا زي خالي. وكان أبي يهزهز أرجله فرحآ منتشيآ بمداعبة جدتي.

ظل الأمر هكذا حتى وصل ابي الي سن الخامسة، سن الدراسة، قدم جدي لأبي في المدرسة ... (اعتقد والله أعلم ان جدي حينها اكتشف الفاجعة ولكنه خاف ان يخبر جدتي خوفآ من العرق التركي يطلع عليه.

المهم ذهب إبي الي مدرسته وبدء الناظر في استدعاء كل طالب بأسمه ليوزعهم على فصولهم، وعندما لم ينادي احد على "حلمى" عاد أبي من المدرسة الي منزلهم، الذى كان يقع فى نفس الشارع، محطم نفسياً – أحتضنه جدي بعمق وأخبره الحقيقة المرة ... حلمي يا أبني أنت مش لقيط ولا حاجة بس أسمك من النهاردة بقى محمد ياحلمي.

كان هذا بالطبع بعد فوات الاوان، فقد ظل الاقارب والاصدقاء الاقربون يلقبون أبي بحلمي لسببين لتعودهم على الأسم وخوفآ من جدتي ... وظل اسم محمد هو اسم العمل والاوراق الرسمية – يا الله لكم كانت حياتنا جميلة وبسيطة في زمانات هذا العصر)

نرحع بقى لموضوعنا الاساسي اللي انا نسيته اصلا ..

اه افتكرت ... نجوى اول ما داست قدماها منزلنا للحق يقال كانت مثالاً للتفاني ... تحاول بشتي الطرق التقرب منا ... ولكن نفورنا الدائم منها وتكتلنا عليها سد نفسها.

يوما بعد يوما تيأس نجوى من ان تبني جسور التواصل بينها وبين عيال حلمي ... فجآة تجد نجوى نفسها حامل ... وعند هذه اللحظة الذهبية تقرر نجوى تغيير كل خططها المستقبلية تجاه ولاد حلمي فلا داعي للتودد لهم فالبت الكبيرة راندا دي لازم تبدأ تشتغل في البيت، ما هي بقت عروسة قد الدنيا.

اما المأسدة غادة دي، اللي طالعة فيها وعاملة فيها زعيمة، فلازم نكسر مناخيرها ونخليها تغسل الصحون، ومافيش خادمات من هنا ورايح جوة البيت ده ... أما المزغودة دعاء فبكفاية قوي الدلع المرىء بتاعها، خليها تنزل تجيب البقالة من شارع 6 ..

وهكذا تستفرد نجوى بعيال حلمي في ظل إنشغاله الدائم بعمله وكثرة أسفاره ... وتبدأ نجوى مرحلة حيتها التالية في ممارسة دور مرات الأب على اصولوها ... وفي النهاية حتمآ كان سيكون أخر مستقبلي دبلوم صنايع ومن بعدها نزيلة في سجن طرة، لأن سعادتي ما بيعجبنيش الحال المايل، وكمان خيالي واسع وأعشق تأليف القصص الدرامية ... فغالبا ما كنت سأولف موتة لذيذة للست نوجة ... سم فيران أو فرامل سايبة... وقطعآ لكانت حياتنا ضاعت ولم نكن لنصبح شيئاً ذو قيمة لولا هذه السيدة العظيمة أمي – حكمة القدر ونعم الله سبحانه وتعالى علينا كثيرآ.

أصدقائي ... أن الأم تختلف عن الأب كثيرآ، ولذا فعندما نقول أن الجنة تحت أقدامهم لا نبالغ ... فلا أحد مثل أمي أو أمك أو أمها، فمن كانت أمه بجانبه فليحتويها بين أعينه كما أحتوته وهو طفل صغير.

كل سنة وأمي طيبة وحماتي طيبة وكل أم في الدنيا طيبة.

غادة بدر