#غادة_بدر تكتب: أديني حضن وأرميني في المحيط

كتب بواسطة: غادة بدر في . القسم انسانيات

 

أصدقائي ..
هل فكرتم يوما في مدى تأثير الأحضان علينا ؟ ... بالتأكيد لا ..
فلنجعل اذا من قصة حنان فرصة جيدة لأعادة التفكير.

حنان صديقة لي من القاهرة تصغرني بعدة اعوام قليلة ... تشعر داخلها بالإضطراب والحيرة وتشوش في الرؤية، ولذا ارسلت لي رسالة طويلة عبر الواتساب ... هل هي على صواب ؟ هل هي طبيعية؟؟؟ هل كلنا حنان؟؟ ام ان حالتها حالة شاذة.

بصراحة انا شخصيا مش عارفة وعلشان كدة قررت أقراء رسالة حنان بصوت عالي .. حتى نرى معا هل بالفعل كلنا حنان ام ان حنان حالة شاذة.

كتبت حنان:
"صديقتي غادة ... اعلم انه ليس لديكي الوقت الكافي لسماع مشكلتي التي قد تبدو لك تافهة جدا بجانب امور حياتك اليومية، ولكن عزائي في ان صداقتنا الوطيدة ستشفع لي عندك ..

تعلمين صديقتي انني قد نشأت في منزل كان الحاكم الآمر الناهي فيه امرأة ... لم يكن هذا اختيارآ بقدر ماهو مرغم اخاك لا بطل ... فلقد توفي والدي وتركني انا ورانيا اختي اطفالا صغار. وتعلمين ايضا ان امي كانت سيدة حكيمة بكل معانى الكلمة، فسرعان ما امسكت بدفة الأمور ... فلم تقصر في اي من حقوقنا ولم تشعرنا يوما بأننا ايتام ... كل ذلك البرغم من ان امي كانت لاتزال قي ريعان شبابها، الا انها عاشت لنا وأغلقت باباها علينا.

وحتى تنضبط أمور الحياة في منزلنا اضطرت أمي ان تلعب دور الأم والأب ... وفي احيان اخرى ان لزم الأمر تاخذ ايضا دور الاخ الأكبر لنا ... وبالفعل لم تشعرنا امي يوما انه ليس في عائلتنا رجل أو سند ..

غادة ..
قطعآ تذكرين كم كانت امي متمسكة بالقيم والمبادئ، ولذا ربتنا انا وأختي على الألتزام بالأخلاق ... وما كانت الواحدة منا تبلغ سن الثامنة عشر الا وتسارع من تلقاء نفسها بأرتداء الزي الإسلامي الصحيح من وجهة نظرنا.

المهم كبرت انا ورانيا، وسرعان ما تهافت العرسان علينا فلم يكن ينقصنا شيئاً ... الأخلاق والجمال والمال كلها مجتمعة فينا.

تزوجت ... ولكن على الرغم من كل التضحيات التي بذلتها امي من اجلي الا ان يوم زواجي، وامي تحتضني لتسلمني الي زوجي، شعرت بغصة في قلبي ... فعلى الرغم من الرعاية المتفانية التي كانت توفرها لنا امي الا انه كان بداخلي شعوراً دائماً بأنه ينقصني شىء ... هذا الشئ لم يكن هينا بالنسبة لي فلطالما تمنيته كثيرا ورأيته كثيراً في احلامي ... وبالأخص عندما كانت تواجهني اي مشكلة في حياتي اثناء فترة مراهقتي .. كنت وقتها اجري بسرعة باكية ابحث عنها لتأخذني في أحضانها ... ولكن الأسف لم يحدث هذا يوما .. لماذا يا أمي الأن فقط؟؟؟

امي تبتعد وتترك يدي في يد زوجي، ظللت أتذكر كل المواقف التي حلمت فيها ان أرتمي في حضن امي وأبكي وأنسى كل آلامي ... ولكن لسبب ما لم تبادر امي يوما بأن تأخذني في أحضانها .. لربما اعتقدت ان هذا الحضن قد يتسبب في كسر حاجز الخوف والهيبة منها، او لربما انها شخصيا لم تذق حضن امها .. ولذا لم تشعر يومآ بأهمية هذا الحضن لنا.

طبعا كل هذه يا غادة كانت مشاعر بالية من الماضي ... مشاعر بنت ساذجة غير مقدرة لتضحيات امها ولكن عندما تزوجت وانجبت تغير الحال تمام ..
كان التغيير قادم لا محال ولكن بالتدريج ..

عندما تزوجت ... وانتقلت الي منزل الزوجية عاهدت نفسي انه عندما أنجب اولادآ سأغمرهم بأحضاني، ولكن سرعان ما لاحظت انني بدأت في العزوف عن حضن زوجي والهروب منه ... فشعوري وزوجي يأخذني في احضانه كشعور السجين وقضبان السجن تحيط به ... لا أعلم بالضبط هل كان شعور غربة او اختناق، او يمكن لأنني لم أعتد على الأحضان طيلة حياتي فأصبحت الاحضان تخيفني وتخنقني بدل من ان تهدىء من روعي وتطمئني.

المهم بعد فترة من زواجي تناسيت العهد الذي عهدته على نفسي، بأن أغمر اولادي أحضانا واعتبرته تفاهات مراهقة صغيرة. وعندما انجبت البنين والبنات كنت قد نسيته تماما .. وبدأت اسير على نفس نهج وخطا أمي، مع الفارق الكبير بيني وبينها فانا لدي مبرراتي بينما امي لا ..

غادة ..
أرى على شفتيكي أبتسامة ساخرة أعلم معناها جيدآ ... لا تظلميني وتتهميني بأني مثلها ... فمبرراتي قوية أفهميها أولآ ثم أصدري الحكم – أنا لا يمكني ان أخذ احمد ابني في أحضاني لأنه رجل وعيب ان أحضنه ... حتى لا يكبر ويلقبونه بأبن امه.

كما أنني ايضا كنت غير قادرة على اغراق لوجين ابنتي في احضاني، لأني حقآ أخاف عليها ... اخاف ان تعتاد الأحضان، وسيحولها ذلك لإنسانة مشتاقه لأي حضن ... ممكن ان يكون زميلها في الجامعة او ابن الجيران او احدى الأقارب او .... وانت تعلمين ان زمانهم غير زماننا ... فقررت بيني وبين نفسي ان احميها هي واخيها وأحرمهم من نفس ما حرمت منه.

ظلت الحياة تسير بنا حتى بدأت في الأونة الأخيرة أشعر ان ابنتي تعاملني ببرود وجفاء ... لا أنكر أنها تطيعني وتنفذ كافة اوامري ولكن الاحظ ان عينيها تطل منها نظرات الجفاء ... وعندما يحدث لها اي مشكلة خارج اطار منزلنا، الاحظ انها تلتزم الصمت معي وتلجأ فقط الي احضان أبيها الذي يغرقها بحنانه واحضانه الدافئة، التي لربما يفتقدها معي انا ... انا شريكة عمره."

ثم أكملت حنان رسالتها ... بسؤال باغتني به ..

"غادة ..
هل تحتضنين اولادك؟ يعني من الحين للأخر ... مثلآ كل يوم او كل اسبوع او حتى كل شهر على اقل تقدير ... يعني انتي زي ولا انا بس اللي غريبة؟"

توقفت عن اكمال قراءة الرسالة فقد باغتتني حنان فعلا بسؤالها ... ثم صمت لحظة ثم لحظات وتذكرت ورجعت بالذاكرة للوراء ... انا بالفعل لم احضن ابني الكبير واغمره الا مرات قليلة جدا ... ممكن ان تعد على صوابع اليد الواحده ... على عكس صغيري، فانا لا اكف عن احتضانه ومداعبته وتقبيله عشرات المرات في اليوم الواحد.

وذلك لأن الصغير مسكين مريض لا يعي ما حوله ... يحتاج الي حضني واهتمامي وملاطفاتي له كل لحظة. .. نعم اعترف فأنا لم احضن كبيري الا مرات معدودة، واستعملت نفس منطق حنان.

صمت اكثر وكأن قد اصابني الخرس فجآة، ثم جلست القرفصاء مع نفسي وفكرت ... هل لا يحتاج أبناؤنا الأصحاء الي احضاننا ؟ ... هل لابد لهم ان يمرضوا لكي ندفئهم بأحضاننا؟ ... هل لابد لهم من السفر البعيد حتى نغمرهم بأحضاننا ؟ .. ا

عتقد لا ... فالحضن يقويهم ويعطيهم ثقة في النفس وقدرة على مواجهة المجتمع بقوة وصلابة.

اسفة بني فلقد قصرت في حقك كثيرآ دون أن أدري ..

اصدقائي ..
اكثروا من عناق اولادكم قبل فوات الاوان، فلازال أمامكم الوقت ... فالعناق يقيهم من امراض الحياة.

أصدقائي ..
اعطوهم حضن وارموهم في المحيط.

غادة بدر