#غادة_بدر تكتب: قصاصة ورق

كتب بواسطة: غادة بدر في . القسم انسانيات

 

 

قصاصة ورق صغيرة وجدتها عندما استلمت المظروف الخاص بي من اخوتي .. هدية امي لي بعد وفاتها ... فقد كانت امي تحتفظ لكل منا بمظروف خاص ... يحوي جميع أوراقه ... اوراق تبدأ من إيصال مدرسة الحضانة حتى شهادة التخرج. اوراق تبدأ من شهادة الميلاد حتى ما بعد الزواج .. كان المظروف يحوي بجانب الأوراق مجموعة كبيرة من صور الطفولة ... صور مدرسية رسمية ... صور مع بعض الصديقات ... صور رحلات مدرسية ورحلات جامعية ... من بين صور الذكريات وجدت صورة تجمعني بهبة ... ومع الصورة قصاصة ورق بها قلب يجمع اسمي واسم هبة.

فجأة وجدتني أعود إلي الأمس البعيد وتتلاحق أمامي صور الأبيض والأسود ... صور المريلة ... لم تكن هبة وحدها معي في صور الذكريات ولكن كانت هناك هناء ... تؤام هبة ... تطل علينا من بعيد ونحن نلعب او نتسامر ... تطل ومن بين عينيها أرى الشرر يتطاير.

ولا أنسى لها ابداً اليوم الذي قررت المرور فيه على هبه لنخرج سويا ... نخرج وحدنا دون هناء .. فلم اكن اختلف عن صديقات هبة في عدم استلطافي لهناء ... المهم سبقتنا هناء إلي شرفة منزلهم وسارعت بإلقاء مطفأة السجائر ذات الثقل الحديدي على رأسي ... ولكن يد الله الرفيقة انقذتني من عاهة مستديمة كانت لتظل معي طوال العمر.

سرحت مع نفسي وتذكرت قصتهم وكأنها بالأمس ..
ولدت هبة وهناء في نفس ذات اليوم وفي نفس ذات الساعة ايضآ ولكن تفصل بينهما دقائق معدودات ... اي انهما تؤامتين ولكن من بويضتين منفصلتين، ولأن هناء أبصرت النور قبل هبة بدقائق قليلة فهكذا اعتبرها الجميع الأخت الكبرى ... فأعطى هذا لهناء الحق بالأستقواء والنظر إلي هبة وكأنها أقل شأنآ منها ... ولطيبة هبة أحبت فكرة الأخت الكبرى ومنحها ذلك شعور الأمان ... وبالأخص لأنهما كانا قد فقدا امهما مريضة القلب أثناء ولادتهما.

وعندما كبرت الطفلتين كان الكل يتعجب من كونهما اختان و تؤام كمان ..
فقد كانت هبة تشبه امها كثيرا وتمتاز بالجمال الاوربي الملائكي والقوام الممشوق ... اما هناء فقد كانت عادية الملامح والقوام ... اقرب إلي أبيها في الشبه ... ليست قبيحة ولكنها لا تترك لديك الأثر الذي تتركه هبة الرقيقة الحساسة، وهذا ما جعل هبة تحظى بمحبة وأهتمام الجميع.

حتى في المدرسة كانت هبة هي الأذكى ودائما من الأوائل، بينما هناء في اواخر الصف. وكانت هبة دائما ما تعرض على هناء مساعدتها ولكن قطعا كان الرفض والنفور والتعالي هو نصيبها من هناء وذلك لأحساسها الدائم بأنها الأخت الكبرى ... ولكن لأن الحلو ما يكملش فقد كانت هبة مصابة بمشاكل في القلب ولذا وصف لها الأطباء عقاقير طبية لابد لها ان تتعطاها مدى الحياة حتى تسير حياتها بصورة شبهة طبيعية.
اتذكر يوما اننا قد ذهبنا في رحلة مدرسية للفيوم ونست هبة دوائها ... فأضطرت الرحلة كلها للعودة في منتصفها حتى لا تصاب هبة بنوبة قلبية قد تؤدي إلي فقد حياتها .. وهكذا كنت ارى السعادة تطل من عين هناء في بعض اللحظات التي ترى فيها اختها هبة مريضة واهنة، فتشعر أنها اخيرا انتصرت وتفوق عليها في شىء.

المهم ظلت الأمور طبيعية ومستقرة لهبة حتى وصلت إلي المرحلة الثانوية، فقد كانت هبة تدرس معنا في المدرسة بصورة منتظمة وتمارس حياتها بصورة طبيعية، مع بعض الحرص والإلتزام بمواعيد الدواء. ولكن في بداية العام الدراسي للثانوية العامة فجأة انتكست حالتها ... فقرر والدها أن تظل بالبيت تدرس ... وجاء لها بمدرس شاب يواصل دراسته في الجامعة ويحتاج إلى المال لينهي دراسته.
جاء بالشاب ليراجع معها كل موادها الدراسية، وقطعا لازمت هبة مع هذا الشاب طوال المساء بصورة يومية ... مما خلق بينهما تواصل وتفاهم كبير، وتحت تأثير وسامة وثقافه ولياقه االشاب وقعت هبة في حبه وفي نفس الوقت وقعت أيضا هناء في حبه ... حاولت مشاغلته ولكن احمد، ككل من تعرف على هبة وهناء، أنجذب بكل مشاعره لهبه.
لم يمر عام الثانوية العامة إلا ونجحت هبة بتفوق وفي نفس الوقت أنهى احمد دراسته، فسارع بالتقدم الرسمي لخطبة هبة على أن يتم الزواج بعد انتهاء هبة من دراستها الجامعية، وحتى يتمكن هو أيضا بتكوين نفسه ... هبة لم تسعها الفرحة فلقد تأكدت أن احمد يحبها حباً حقيقياً ... فعلى الرغم من علمه بمرضها يصر على الزواج منها.

ولكن هناء لم تقف صاغرة أمام قصة الحب الجميلة، فبدأت في بث مشاعر الخوف في قلب هبة اختها وتنبهها بأن صحتها لن تحتمل الزواج وحتما ستموت، وإنها لحبها وحرصها عليها تطلب منها أن ترفض الزواج من احمد ... وقتها هبة كانت صغيرة وخائفة فتأثرت بالفعل بكلام هناء، فقد كانت تشعر حقا أنها اختها تؤامها التي تحبها وتخاف عليها أكثر من أي شخص ... وبالفعل تبدأ هبه في التراجع خطوات وترفض حتى الرد على تليفونات احمد.

يمر شهر وراء شهر ويصيب احمد اليأس ويختفي من حياتهما ... وتنتكس هبة اكثر وتتدهور صحتها ... فهبة زهدت في الحياة بعد أن ذاقت حلاوتها ... ولأول مرة أرى السعادة تطل من عين هناء.

الغريب أن احمد لم ييأس ... ففجاءة يظهر مرة أخرى ومعه الحل، فقد عرض حالة هبة على خاله الذي كان جراحاً مشهوراً في إحدى مستشفيات أوروبا. وبعد أن درس الأخير ملف هبه الصحيّ أكد له أن عملية جراحية واحدة قد تعيد لها حياتها الطبيعية. ولكن هذا الخبر كان بمثابة صدمة لأختها هناء، لأن هبة كانت ستصبح سليمة وأيضا سعيدة ... الأمر الذي لم تكن هناء قادرة على تحمله خاصة بعدما عانت مطولاً من تحمل امتداح الكل لجمال وذكاء هبة.
وهكذا قررت أن تمنعها بأي ثمن من الحصول على فرصتها في الشفاء حتى لو بلغ الأمر حد القتل.

بدأَت تخيفها من العملية وبشكل مكثف، وتأتي لها بمقالات عن إناس توفوا من جراءها وأمثلة عمن عاش طبيعياً من دون تلك الجراحة، متحججة لكل من حولها بأنها لا تريد فقدان أختها الوحيدة.
كانت دائماً تردد لأبيهم أن احمد لن يحب هبة أكثر مما هي تحبها لأنه ببساطة كان مجرد غريباً أتى إلى حياتهم من سنة فقط. وإستطاعت هناء مرة اخرى ان تزرع الشكّ والخوف في عقل هبة إلى درجة أن جعلتها تتردد في أن تجري العملية، ولكن في اللحظة الأخيرة جاء احمد وهددها بالاختفاء نهائيأ من حياتها.

وقتها تكتلنا كلنا كأصدقائها وذكرنا هبة كيف كانت حياتها دون احمد، وكيف كانت تموت كل يوم عشر مرات وليست مرة واحدة ... وهكذا لم نترك هبة إلا وقد أستعادت حماسها لإجراء العملية ... فقد كنا كلنا نعلم ونرى مدى حقد هناء على هبة ولم ننخدع في قناع الحب الذي بدأت بالتظاهر به تجاه هبه في هذه الفترة ... فلم تكن هناء يوما مهتمة بمشاكل هبة الصحية.

وعندما قررت هبة إجراء العملية هاجت هناء وهددت بإنسحابها من حياة اختها ... فهي ليست على استعداد أن تفقدها وبالفعل اختفت يوم إجراء العملية ... وحتى بعد أن نجحت العمليه ومن الله على هبة بالشفاء لم تزور هناء هبه ولا مرة بالمشفى ... ولم تهنئها حتى بنجاح العملية.

كان الطبيعي أن يكلل نجاح العملية بزواج احمد من هبة، وبالفعل إنتظر احمد عامين آخرين حتى تخرجت هبة من جامعاتها وتعافت تماما من تبعات العملية ومن ثم تم تحديد موعد الزفاف.
كانت علاقة هبة بهناء في هذه الفترة شديدة الجفاف، فلم تغفر لها أنها خالفت رأيها، وحتى بعد أن نجحت العملية وأعادت لهبة صحتها .. مما أثار تعجب هبة.

تم تحديد موعد الزواج وأقام العروسان حفل زفاف بسيط ... ولكن كعادتها هناء تركت بصمتها على حفل زفافهما ... فلم تريد لهما أن يهنئا بحياتهما، فحاولت أن تخطف الإبصار نحوها ولو مرة واحدة ... فتناولت علبة اقراص منومة مرة واحدة وانتحرت ... لا أعلم إذا كان تهديد بالموت وقلب جد ... أم أن هناء بالفعل كانت تريد التخلص من حياة كرهتها ... المهم ان الحقيقة المؤلمة هي عدم استطاعة الأطباء إنقاذ حياة هناء وهكذا تحول عرس هبة إلي ذكرى أليمة في حياتها ... ذكرى وفاة اختها وتؤامها هناء.

لا أعلم من ظلم من ... وانا مراهقة صغيرة كنت احقد على هناء كثيرا وأشعر أنها لا تحبني او تحب هبة فكيف لها ان تحبني وهي لم تحب احد ابدا .... ولكن عندما كبرت وبدأت اقرأ عما خلف الأبواب النفسية المغلقة تأكد لي أن هناء كانت ضحية ... ضحية والدها ... ضحية المجتمع من حولها ... مجتمع ركز كل اهتمامه في البنت الذكية الجميلة مرهفة الحس ... المريضة ... وأهمل هناء الطفلة العادية الجمال والمتواضعة الإمكانيات.

اصدقائي ..
في النهاية اطرح عليكم سؤالاً .. هل ذنبنا اننا قد خلقنا اطفالاً ذو قدرات محدودة ؟؟
اصدقائي ..
رفقآ بأطفالنا فليس كلهم خارقون او عباقرة

غادة بدر