المفترض والمطلوب والمهم .. فى مؤتمر شرم

كتب بواسطة: فيفيان - فادى في . القسم سياسة

 

فى حوار الخبير الإقتصادى هشام الخازندار المنشور فى جريدة الأهرام  يوم الجمعة 6 مارس قال فيه: "ان اهتمام المستثمرين  سيتركز على التعرف وبعمق على الاصلاحات  والتشريعات التى تمت (...)  لن يكون تركيز المستثمرين فى الاساس على التعريف بقائمة المشروعات التى ستعرض خلال المؤتمر ،ولكن سينصب التركيز على التعرف على الرؤية الاقتصادية لمصر".

هذا الكلام منطقى تماما لأن وضع رؤية واضحة ومحددة هى اولى خطوات النجاح فى اى موضوع، فبدون تحديد رؤية ستظل الجهود عشوائية ومشتتة وبالتالى مهدره للوقت وللموارد المختلفة .. وبالطبع أكثر ما يهم المستثمرين هو وضوح الرؤية الإقتصادية، اولا لضمان استقرار المنظومة الإقتصادية المطلوب منهم التعامل معها ... فلا يفاجأ بتغيير سياسات او اصدار قرارات او قوانين تؤثر على وضعه المالى او على استثماراته بأى شكل.

ثانيا وجود رؤية واضحة ومعلنة يضمن للمستثمر ان ما يضخه من اموال فى اى مشاريع استثمارية سيتوافق مع التيار الاقتصادى الرئيسى للدولة، وبالتالى تحظى استثماراته بالدعم الادارى والتشريعى من هيئات الدولة كلها، وهذا عنصر أمان مهم ولا غنى عنه عند أى مستثمر، فرأس المال "جبان" كما هو معروف ... لذلك لابد ان يشعر المستثمر ان مشاريعه لا و"لن" تتعارض مع سياسات الدولة باى شكل، فبالتالى يعمل دوما على تنميتها وتعظيمها.

إن غياب الرؤية او عدم اعلانها والاكتفاء بعرض المشاريع فقط سيؤدى الى اجتذاب نوع آخر من المستثمرين، ممن يريدون تحقيق مكاسب سريعة او استغلال انفتاح الدولة فى استقبال اى نوع من انواع الإستثمارات بسرعة، فى ظل غياب الرؤية، وهذا ينتج عنه التوقيع على عقود مجحفة فى حق الدولة ومستغلة لارضها ولمواردها الطبيعية والبشرية فى مقابل هزيل، وبالتالى تذهب اغلب المكاسب الى الخارج، او لمجموعة محددة من المستثمرين، وفى النهاية لا يشعر الشعب بأى تغيير، وكان الإستثمارات لم تكن.

مشروع توشكى هو اوضح مثال على عيوب انعدام الرؤية الاقتصادية السليمة وغياب التشريعات التى تحفظ حق الدولة، فقد تم منح الاراضى بتسهيلات مبالغ فيها لمستثمرين من الخارج، باسعار لا تعوض الدولة حتى عن تكلفة البنية التحتية التى اقامتها، وبدون تحقيق مكاسب حقيقية لنا ... وبالتالى لم يشعر المواطن بأى طفرة فى مستوى معيشته بسبب بدء العمل فى مشروع توشكى، على الرغم من ان الحديث عنه كان يملأ الوسائل الإعلامية وتدور حوله التصريحات الحكومية، باعتباره هرم مصر الرابع الملقى على عاتقه كل الأمل فى تحقيق الرخاء المنشود.

لذلك نتمنى ان تهتم الحكومة فى مؤتمر شرم الشيخ بعرض رؤيتها اكثر من اهتمامها بعرض مشاريع بعينها ... ايضا نتمنى ان تكون المشاريع تنموية واستثمارية وليست مشاريع استهلاكية فى طبيعتها. فالفارق كبير بين اقامة مجمع صناعى يعتمد على مواد خام طبيعية او زراعية من ارض مصر، وينتمى للصناعات كثيفة العمالة، ويحقق فرصاً تصديرية تنافسية عالية ... عن اقامة مشروع مول تجارى او مجمع ادارى ترفيهى، مهما كان حجمه او حجم استثماراته، ففى النهاية فرص العمل فيه محدودة وتنحصر فى عمالة عادية او بائعين فى محل او موظفين أمن .. الخ، ايضا يزيد من حجم الإستيراد من الخارج، سواء فى انواع البضاعة المعروضة فى المحلات المقامة او فى مواد التشطيبات المستخدمة.

المجمع الصناعى يضعنا فى مصاف الدول الصناعية المنتجة والمصدرة ... وهذا يزيد من الدخل القومى ويعطى قيمة مضافة للإقتصاد المصرى ويساهم فى تدريب كوادر مهنية عالية المستوى ..  بينما مشاريع الاستثمار العقارى التجارى لا ينتج عنها سوى تعزيز ثقافة الاستهلاك والإستيراد مما يضيف الكثير من الاعباء على الاقتصاد المصرى.

إن الإستثمارات تقاس بالكيف وليس بالكم ... فالكيف هنا هو الأساس، هو الذى يحدد مدى مساهماتها فى تحقيق التنمية الشاملة، بينما الكم يصلح فقط للتصريحات الاعلامية البراقة، ولا يوضح مدى "جودة" هذه الإستثمارات وكيف ستنعكس ايجابا على حياة المواطن ولا تظل فقط ارقاما فى دفاتر انجازات الحكومات، بدون ان يكون لها اى تأثير على مستوى الشارع المصرى.

إن مصر دولة غنية بمواردها وبطاقتها البشرية ... وهى مطمع للعديد من المستثمرين بسبب ذلك وبسبب تفرد موقعها وكبر حجم سوقها الداخلى، لذلك لا يجب ان "نبيعها بالرخيص" ولا يجب ان تكون اقصى طموحات الحكومة هو ان يرضى المستثمر عنا ويحضر المؤتمر ويتنازل ويوافق على بعض المشاريع التى نسعى الى ان تضيف اليه اكثر مما تضيف الينا، كما حدث خلال العقود الطويلة الماضية.

إن الشعور بالدونية امام المستثمر الاجنبى كان سمة كل حملات الترويج للاستثمار فى مصر فى السابق، وكأن لسان حالنا يقول "بس يارب هم يرضوا واحنا نجيبلهم لبن العصفور" ... وهذا بالتأكيد ما لا نتمنى ان يتكرر فى هذا المؤتمر المحورى والهام، وبالتالى يجب ان نضع معاييراً علمية قابلة للقياس لتقييم مدى نجاح هذا المؤتمر بعد انتهاءه، ويجب ان تكون المعايير نوعية وليست كمية كما اشرنا فى السابق، حتى يشعر المواطن فى النهاية بان هذا المؤتمر فى شرم الشيخ البعيدة ولكن خيره يعم على مصر كلها ويزيد من دخله فى الفترة القريبة القادمة.

ويارب الخير لمصر ويوفقنا ويخلينا نقدر قيمتها ونعرف ندير بطريقة فعالة كنوزها ومواردها.

فيفيان ظريف – فادى رمزى