بنوك مصرية شاركت فى تمويل سد النهضة

كتب بواسطة: فيفيان - فادى في . القسم سياسة

 

لو كان العنوان هو ما دفعك عزيزى القارىء الى الدخول على هذا المقال، فنحن نؤكد لك ان تلك هى اقل المفاجأت الواردة فى كتاب "سد النهضة ونهر النيل" للمستشارة هايدى فاروق والسفير مدحت القاضى. فالكتاب تاريخى سياسى يتحدث عن قضية مهمة جدا لمصر، وهى ملف سد النهضة بأثيوبيا وحق مصر التاريخى والقانونى فى مياة نهر النيل الذى يعتبر شريان الحياة بالنسبة للمصريين ... وهو يستعرض، بالوثائق، كيف سيصبح جريان النيل ليس بالسهولة واليسر كما كان سابقا، وذلك بسبب قيام اثيوبيا ببناء سد النهضة على مجرى النيل الازرق القادم من بحيرة تانا فى غرب اثيوبيا قرب حدودها مع السودان.

مصر كما نعرف تعتبر دولة من دول المصب، مع السودان، واثيوبيا دولة من دول المنبع هى و8 دول اخرى تمثل دول حوض النيل ... وبالتالى فطبقا للمواثيق والاتفاقات والاعراف الدولية، كل دولة يمر بها اى نهر لها "حق على الأجزاء الأخرى من النهر التى تمر فى الأقاليم المشتركة معها فيها، هذا الحق قد يكون حق مرور أو شرب أو مجرى أو مسيل وهذه هى نظرية الإرتفاق الدولى" (كما جاء فى الكتاب).

أى ان حق مصر لا يتلخص فقط فى كمية معينة من المياة لاستخداماتها المتعددة بل "حق مكتسب بالموافقة أو الرفض لإقامة أية مشروعات
على مجرى النهر" وهذا الحق ممنوح لمصر بناء على اتفاقية 1902 وهو ما يعرف بحق الإرتفاق".

المؤلفان هما: هايدى فاروق مستشار قضايا الحدود ومسائل السيادة الدولية والثروات العابرة (مياه/نفط/غاز) والسفير مدحت كمال القاضى كان سابقا سفير مصر لدى سلطنة عمان والكونغو ومساعد وزير الخارجية للبحث العلمى والتكنولوجيا وعضو الجمعية الجغرافية الملكية فى لندن ... والإثنان يعتبران من كبار جامعى الوثائق التاريخية واعضاء فى منظمة الانهار الدولية ، ومن الخبراء فى مجال النزاع الحدودى بين الدول وتم الإستعانة بهما مراراً فى قضايا دولية مختلفة واستعانت المخابرات المصرية فى عهد عمر سليمان بالمستشارة هايدى فاروق فى عدة امور ومنها تجميع الوثائق الخاصة بحق مصر فى مياة النيل وموقفها القانونى والتاريخى فى ملف سد النهضة.

وقد يتساءل البعض عن سبب تدخلهما فى هذا الملف الذى فى ايدى الجهات المعنية حاليا ... تخيل عزيزى القارىء لو انت طبيب تمتلك الدواء الفعال لعلاج مرض خطير يودى بحياة المصابين به، ورايت مريضا يعانى من الام هذا المرض فهل ستتقدم له بالعلاج ام ستنتظر حتى ياتى هو اليك فى عيادتك او مستشفاك طلبا للعلاج؟ ... بالتأكيد من الواجب والأمانة المهنية والاخلاقية ان تمارس عملك فورا وتنقذه من تداعيات هذا المرض.

الكتاب يضم العديد من المفاجآت منها:

1- الأرض التى يبنى عليها السد اسمها "أرض بنى شنجول" .. وهى ضمن اراض مصرية كانت تخضع لسيادة الدولة المصرية حتى عام 1902، حين قام الخديوى عباس حلمى الثانى، نتيجة لفقدانه السيطرة على تلك المنطقة بسبب هجمات الاثيوبيين على الحاميات المصرية هناك وبعد ضغوط عديدة من انجلترا، بالتنازل عن تلك الأراضى لاثيوبيا بموجب اتفاقية يوم 15 مايو عام 1902، وذلك فى مقابل شرطا واضحا ومحددا وهو الا تقوم اثيوبيا "بتشييد او السماح بتشييد اى عمل على النيل الأزرق وبحيرة تانا ونهر السوباط من شأنه منع جريان المياة إلى النيل إلا باإتفاق مع حكومة جلالة الملكة البريطانية وحكومة مصر بالسودان" والسودان هنا كانت ضمن الأقليم المصرى وقتها ... صورة تلك الإتفاقية منشورة صمن الوثائق العديدة التى تضمنها الكتاب.

وتلك الإتفاقية مازالت سارية حتى الآن بدليل تمسك اثيوبيا بها خلال اتفاقية ترسيم الحدود بينها وبين اريتريا سنة 2000 وذكر ذلك صراحة فى الإتفاقية الموقعة بينهما.

وحين "بدات بريطانيا تنادى وتضغط على مصر بفصل السودان عنها فإن الحكومة المصرية رأت بضرورة عقد اتفاق مصرى سودانى على ايلولة الحق فى الإرتفاق على مجرى نهر النيل، الذى تضمنته اتفاقية 1902" وتم توقيع اتفاقية بهذا المضمون بين مصر والسودان عام 1935 وتأكدت ايلولة الحق فى الموافقة على اى منشآت تقام على نهر النيل بأثيوبيا لمصر وذلك فى اتفاقية اخرى عام 1938 بين مصر وبريطانيا.

2- طلبت اثيوبيا والسودان عام 2007 من البنك الدولى تمويل ذلك السد، تحت اسم "سد الحدود"، وقام الأخير ببحث الموضوع واصدر تقريراً مفاده ان الارض المزمع اقامة السد عليها ذات طبيعة بركانية وغير مستقرة مما يعرض السد لمخاطر الإنهيار فى حالة اقامته مهددا غرب اثيوبيا و السودان بخطر الفيضان، وايضا يهدد السد حقوق دول المصب فى المياة طبقا للتقرير المرفق صورة منه ايضا ضمن الوثائق التى تضمنها الكتاب.

3- اصدرت اثيوبيا بعدها اسهماً لتمويل عملية بناء السد، بعد رفض البنك الدولى، بفوائد عالية ومغرية وقد قامت بنوك عالمية عديدة فى اوروبا وامريكا واسرائيل وفى دول عربية، وايضا بنوكاً مصرية، بفتح حسابات باسم سفارات اثيوبيا فى كل بلد لتلقى التمويل. والبنوك المصرية، كما جاء ضمن وثائق الكتاب، هى:

بنك الاسكندرية - البنك العربي - البنك العربي الدولى - وبنك القاهرة - سيتى بنك - البنك التجارى الدولى

وقد جاء هذا ضمن وثيقة اصدرها البنك التجارى بأثيوبيا ومنشورة ضمن الوثائق التى تضمنها الكتاب.

4- انقضاء مذكرة التفاهم التى وقعها الرئيس السيسى فى مارس 2015 وذلك "تحقيق شرط فاسخ"، وذلك لان "عدة تقارير جيولوجية وهندسية دولية جاءت جميعها تصب فى اتجاه تحقيق ثلاثة شروط على الأقل فاسخة وردت فى مذكرة التفاهم، لذا فان الإلتزامات التى وضعتها مذكرة التفاهم قد انقضت .. وزال اثرها" (كما جاء ف الكتاب).

5- تلك ليست المرة الأولى التى تطلب فيها اثيوبيا بناء سد فى نفس المكان فقد تعددت المطالبات فى اواخر 1902 وفى 1921 و1957 وفى كل مرة كانت تواجه برفض مصر.

6- جميع الوثائق التى تضمنها الكتاب والتى تؤكد حقوق مصر التاريخية والقانونية توجد لدى المسئولين فى الادارة المصرية منذ سنوات عديدة، قبل ثورة يناير 2011، وتم اجراء لقاءات لمناقشة هذا الملف فى السنوات التى تلتها ضمت المستشارة هايدى والسفير مدحت واعلى قيادات الدولة المصرية.


الكتاب به العديد من التفاصيل والمفاجآت والوثائق المختلفة التى تؤكد حق مصر فى رفض بناء السد، وبه ايضا الخطوات القانونية اللازمة لتفعيل هذا الحق، وذلك عن طريق المحكمة الجنائية الدولية وايضا القضاء الإيطالى، باعتبار ان شركة "سالينى" التى تقوم بالإنشاءات هى شركة ايطالية ... وهذا الأمر قام بتأكيده العديد من مكاتب المحاماة الدولية التى قام المؤلفان بالتواصل معها لاستشارتهما فى الاجراءات القانونية التى يمكن القيام بها .. وكل ذلك جاء ضمن الوثائق التى تضمنها الكتاب.

هو ليس مجرد كتاب وثائقى بل هو فى راينا صرخة تنبيه عالية ومدوية تطالبنا بالحفاظ على حقوقنا فى مجرى النيل، وليس فقط فى حصة محددة من المياة، وتوضح كيف ان قوة مصر كانت الرادع دوما امام محاولات اثيوبيا المستمرة لاقامة هذا السد ... وكيف ان ف حالات ضعف الدولة المصرية، مثلما حدث ف عهد الخديو اسماعيل، تم التنازل عن حق مصر فى الأرض، ولكن مع هذا تم التمسك بقوة بحقها الأصيل بالتدخل حال قيام اثيوبيا باية منشآت من شأنها الاضرار بحقوق مصر ... هبة النيل.

واذا كان احد يرى ان لدينا ما يكفينا من مياة خلف بحيرة ناصر، وبالتالى لا يمثل السد تهديدا لنا، فالرد هنا ان حصتنا ثابتة سنويا ومقدارها 55 مليار متر مكعب لا يمكن تجاوزها، مع انه من المفترض التفاوض حول زيادتها بسبب زيادة الكثافة السكانية على الأقل وتحقيقا لمتطلبات تنموية مختلفة، ولكن السد ايضا يهدد كميات المياة الواردة لبحيرة ناصر، مما يهدد الطاقة الكهربائية ويغير من طبيعة مياة النيل الواردة الينا مما يعرض الأجيال القادمة لمخاطر الفقر الزراعى والعطش.

 هو كتاب، فى رأينا، يجب ان يقتنيه كل راغب ف المعرفة وكل معنى بهذا الملف الاستراتيجى الخطير، وايضا من المفيد وجوده مع كل من له وجهة نظر مطالبة بتحرك اسرع واكثر حسما ومن ينتقد للتحرك الحالى للحكومة المصرية فى هذا الملف، فحين يذكر رأيه المستند الى حقائق او معلومات لديه بسبب بحثه فى هذا الأمر كان يواجه دائما باعتراض قائل "عندك لينك بالكلام ده"  .. الآن يستطيع الرد بمنتهى الثقة قائلا "لا ماعنديش لينك .. عندى كتاب بالكلام ده".

فيفيان ظريف – فادى رمزى

 

180217 article1 photo3a

 

 

180217 article1 photo2