#نبيل_النجار: نوستاليجا ابلة فضيلة ... حكاية وطن

كتب بواسطة: نبيل النجار في . القسم سياسة

 

 


بمقولتها الشهيره "حبايبي الحلوين" غزت قلبى الصغير، بنغمات من الجمال والبراءة.

هى شخصية جميلة شهدتها اجيال من زمن الحب والى الآن ، بعطائها المستمر شعرت ببساطة الحياة، وعلمت ادوارنا التى عظمها الله فسخر لنا مواطن الجمال ... فنرى شمسا تتلألأ وتلقى صباحا على أهل الشقاء ممن ينتظرونها منذ ساعات الفجر الرطبة، وخيوط طيف تهبط على مياة النيل فتسحر العيون ونسمع بعدها كلمة " الله .

كم تمنيت ان اعيش ذلك الزمان .

انها نوستاليجا الروقان ، نوستاليجا الزمن الجميل وسجل الزكريات المحفورة فى قلوبنا، والمواقف والعلاقات التى نعيش من أجلها وفى ظلها، كى تخرجنا من زحام طغى على بياض قلب أفحمته الحياة.

حينما استمع إلى حكايات الطفولة من أبلة فضيلة أتخيل انها كانت تحكى حكاية جديدة الآن، حكاية زمن نعيش فيه، أحداثها مسلم ومسيحى وهلال وصليب وزمانها ليس له حدود، ومكانها مسجد وكنيسة.

فى النهاية هى مزيج نتيجته مصرى ... مصرى يعيش فى حضن البلد ويتيه فى دائرتها وبين حدودها، التى تحمل معها الشقاء والسعى، وجدرانها التى تحمل ضحكاتنا وأيامنا، فيجمعنا وطن ومستقبل نعيش فيه.

حكاية وطن، وطن وأرض وأناس يعيشون، كل منهم يحمل هموم واحزان ومواقف وذكريات تركت بين جدران البيوت الصغيرة ومشاغل الحياة. ظهرت شخصية غريبة لأول مرة نراها بهذه الكثرة داخل مجتمعنا، شخصية لإنسان عادى لكنه قرر فجأة اهدار أرواح وتشريد أطفال كى يصل للجنة التى طالما تمناها كل يوم ... الجنة التى يتخيلها فى كل مذبحه جديدة، يفجرها فيفجر فيها نفسه وينهى حياته قبل حياة الأبرياء.

كم تعجبت من فطرة سليمة خلقها الله بيضاء جميلة، لكن معالم الزمان شوهت ما بقى منها بألوان القبح والسواد، وتركيبة نفسية بداخلها انسان طغى الغيام على قلبه ليمطر رصاصات من القتل والدمار وازهاق الأنفس ... حينها لم يكن يعرف أن نفسه غابت عن الله وانفصلت عن الحياة، وتاهت أفكاره بين من لا يرحم ... بين متعصب وجاهل ومتطرف تبنى داخله صور الجنة التى حلم بها، ولكن بمعنى آخر فرسم داخل عقله صورة من الكراهية والغضب وقتل الأبرياء من أجلها.

اما داخل أسرته وبيته فنجد قيودا من التعصب وتفكير مبنى على الجحود والقسوة، أخمد شرارة الحب الباقية ليلعب على أوتار مشاعره الدينية. تلك العقول الخاوية التى افتقدت ثقافة المناقشة والتعدد وتبنت فكراً رجعياً فألغت ملكة التفكير لديه ... وهو ما جعله يستقبل أفكاراً مغلوطه ويستجيب للبيئة المحيطة التى أحست به وتبنت عاطفته الصغيرة.

كل هذا جاء نتاج جهل وقلة وعى وثقافة، أدى إلى ما نحن فيه الآن، و نتاج مواقف سياسية ومصالح جعلت هؤلاء فى المقدمة بينما يتخفى القاتل الحقيقي وراء الستار.

أما الاسباب الظاهرية فهى تكمن فيما بين السطور، فالثقافة مسئولية ونقل الأفكار بدون فهمها وبيان موضع الضعف والنقص فيها خطأ فادح، فقد اصبحنا نقرأ لمجرد القراءة والإسترسال فقط.

كم مرة قرأنا على جدران المدارس عبارات مثل:
" العلم يا قوم ينبوع السعادة .. كم هدى وكم شق آمالا وآفاقا"
" فعلموا النشء علما يستفيد به .. سبل الحياة وقبل العلم أخلاقا"

ولكن المدرسة التى ظلت تعلم وتخرج أجيالاً من العلماء والأدباء أصبحت مجرده من الرسالة، مجرد مجتمع صورى ومكان للإمتحان ... وأصبح الحفظ أضمن من الفهم.

وهذا النمط فى التفكير الذى تبناه التعليم بعيد جدا عن التفكير الإبتكارى الذى يعتمد على الفهم والتحليل والتطبيق وإعمال الفكر والعقل.

هذا النوع من التفكير الذى أدى لإستقبال الحدث بدون مرجعية، ليأتى الإعلام ويمارس دوره فى منظومة البلطجه والتطرف.

ان اختفاء القيم يفقد المعنى، لكن المعنى موجود عند كل طفل وشيخ ... طفل ولد ببرائة لم تلوثها الحياة، وشيخ نهل من الحياة عظات وعبر وفهم قيمة الوجود وضرورة ممارسة العمل الطيب.

وإليكم قصه تركت فى قلبى أثرا شديدا:
"طلب الملك من احد الرسامين أن يرسم له صورة لملاك وشيطان، فأخذ يبحث الرسام حتى وجد صورة لطفل أشبة لدرجة كبيرة الملائكة كما نتخيلها فقام برسمه، أما صورة الشيطان فقد ظل يبحث عنها كثيرا وتعجب أنه لم يجدها ... وبعد مرور أربعون عاما وجد رجلاً، يبدو عليه الكبر ويجلس داخل ملهى ليلى، أشبة كثيرا بالشيطان الذى فى خياله ... فاستعجب وظل يرسم فى معالمه إلى أن إنتهى من اللوحة ... عندئذ لاحظ الرجل الصورة كامله فظل يبكى بكاء شديد فسأله الرسام ما يبكيك ؟؟

رد عليه الرجل قائلا "عندما رأيت صورة الطفل تذكرت أنها صورتى عندما كنت صغير، وتذكرت كيف أخذت الحياه تراوغنى واستجيب لها حتى انتهيت لتلك الصورة القاسية، لقد فعلت كل شئ من اجلها وصعدت على اكتاف الآخرين حتى تاهت معالمى مع كبر سنى وانتهت بى الحياة داخل هذا الملهى، فيحتقرنى الزمان وتتضائل نفسى وقيمتى"

هذا هو الهدف ... الهدف والصور تتغير لكننا نحن من بيدنا الحفاظ عليها، مجنونة تلك الأفكار وعظيمة تلك الحكايات .. هى تأخذنا من عالم الواقع لدنيا الخيال لكنها حقيقة دنيا الحقيقة الغائبة .. حقيقة حكايات أبلة فضيلة التى رسمت بداخلى صور براءة الأطفال وحفرت قلبى بالنوستاليجا الجميلة التى تحكى قصة معنى وهدف قبل ان تحكى قصة شخصيات.

هى قضية مواطن قبل أن تكون قضية وطن ..

حكاية حلم ووجوه تشبة معالم الشوارع القديمة وحواديت الحوارى والمجتمع والإنسانية والشهامة ..

حكاية حارة من حوارى باب الخلق التى لا تفرق بين دين وأصل.

حكاية وطن

نبيل النجار