فيلم عن الإنطلاق فى دنيا الجمود

كتب بواسطة: فادى رمزى في . القسم سينما

 


هل تشعر انك مختلف واحلامك تبدو غريبة للاخرين ؟

هل تريد ان ترسم بنفسك عالمك وتمشى على ايقاع من عزفك وليس مفروضا عليك؟

هل تريد ان تحطم قيودا عديدة من الموروثات العتيقة والافكار البالية، وتنطلق تسعى نحو السعادة بدون احكام مسبقة او ضغوط خانقة ؟؟

لو اجابتك على كل تلك الأسئلة "نعم" اذا فيلم The Greatest Showman هو فيلمك الذى كتب خصيصا لك، وما عليك سوى ان تزيح هيو جاكمان جانبا وتقوم بدور البطولة فيه .. فى كل يوم من ايام حياتك.

فيلم اجتماعى ثورى بكل معانى الكلمة ... يحكى قصة بارنوم ابن الترزى، الذى يصفعه السيد الغنى على وجهه بمنتهى العنجهية فيقرر ان يرد الصفعة للعالم المشبع بالجمود والتخلف والعنصرية باقصى ما فى ارادته ورغبته فى تحقيق احلامه من قوة.

يقرر بارنوم ان يشبع شغفه الفنى الاستعراضى ويقدم للجمهور عرضا فنيا مبهرا وغريبا يستعين فيه بكل من يلفظهم المجتمع المشوه اخلاقيا وانسانيا، بسبب ما يسميه تشوها فى اجسادهم او فى شخصياتهم ... بينما هو فى الحقيقة التميز عن المألوف والمعتاد، وهذا ما يعطي لهؤلاء المبعدين صفات التألق واللمعان التى تحتاج فقط لشخص حالم مثل بارنوم لاعطاءها الفرصة للانطلاق.

بى تى بارنوم هو مؤسس ما نطلق عليه اليوم اسم "سيرك" ... هو من عرض الغريب والمدهش والمبهر بداخل متحف مسرحى، او مسرح يعرض فيه تحفه البشرية المتميزة، وذلك فى اواخر القرن التاسع عشر فى امريكا. وخلال سعيه نحو تحقيق المجتمع الانسانى المثالى لمن هم غير تقليديين ويلفظهم المجتمع مثله، لم يبال باى قيود او معايير ... بل انطلق وراء حلمه مدركا ان المتعة فى الرحلة وليس فى تحقيق الغاية ... قرر ان يكون نفسه وليس اى شىء آخر، واختار معه من يريدون ان يكونوا كما خلقوا وليس كما يريدهم الناس ان يكونوا.

نجح وانكسر كثيرا وتعرض للمصاعب ولكنه اقتحم كل التحديات وظل مبتسما ومتمسكا بحلمه، حتى وهو منكسر من اثار هزيمة فى معركة تفوق فيها المجتمع محدود الفكر والخيال عليه فيها .. فقد جاءت ارادته مستفزة اكثر لحماقة المجتمع، فحاربوه والقوه بكل ما فى جعبتهم من جهل وتخلف، ولكنه ظل صامدا ... فسعادته مصدرها دوما انه واحلامه فى كفة تثبت كل يوم انها تكافىء العالم كله فى ثقلها.

الفيلم من الابداعات السينمائية القليلة التى يكون ابطالها البارزين بمنتهى القوة هم المبدعون خلف الكاميرا، وياتى من بعدهم بكثير الممثلين. الابطال هنا تحديدا هم مبدعين الموسيقى والكلمات والرقصات والاضاءة والديكور ويأتى بالطبع الاخراج العبقرى لمايكل جريسى ... فى اول تجاربه الاخراجية بعد مشوار مهنى فى عالم المؤثرات البصرية ... ليدير كل هؤلاء المبدعون كأبدع ما يكون.

الفيلم عبارة عن تابلوهات راقصة ... لا يمكن ان تتماسك امام تواليها ولا تتفاعل مع ايقاعاتها وتتمايل طربا امام جمال اضواءها وتشكيلاتها البصرية البديعة ... الإبداع يغلف كل مشاهد الفيلم فترى مالم تره ابدا على الشاشة، فمن يتخيل ان مصباح بدائى يشكل هذا المشهد البديع الذى فيه يتبادل بارنوم وبناته وزوجته احلامهم وهم فوق سطح بيتهم. وكيف يمكن ان تتوقع مشهد مفاوضات تجارية حادة تكون فيه كاسات الخمر والبارمان مجرد انعكاسات للجدال الدائر بين الطرفين الراقصان، هيو جاكمان وزاك ايفرون، وكأن المفاوضات تدور حول نسبة استحواذهم على الكاسات وليس "الكاشات".

030118 article1 photo2

ايضا ياتى مشهد يذوب رومانسية وعذوبة بين زاك افرون وخريجة ابداعات ديزنى الجميلة زندايا ... الحوار الغنائى يدور حول استحالة التقاء ابن المجتمع المخملى المتجمد المتعجرف بابنة العالم المهمش الذى يهيم فنا ورقيا وابداعا و .. بالتأكيد يعانى بؤساً. زندايا هنا لاعبة عقلة و"ترابيز" فى سيرك بارنوم. تحاور حبيبها وهى تطير كالفراشة مستعينة بمهاراتها وبحبال عقلتها وبانطلاقة افكارها ... تقترب منه وتبتعد مع وقع الكلمات ... وهو يحاول القفز والسمو مثلها ولكنه لا يستطيع، فمجتمعه يقيده ويحجم من انطلاقه ... لكنه مدفوعا بعشقه لها وبانبهاره بملائكية فنها يستطيع الطيران مثلها، وعندها تاخذه الى عالمها الخالى من شوائب العنصرية والطبقية والجمود الى افاق ارحب واكثر انسانية بكثير ... تابلوه راقص يلخص شوائب الحضارة الانسانية بابسط وارقى واعمق صورة ممكنة.

ايضا يأتى استعراض This is me ليلخص رسالة الفيلم فى خطوات متتالية ايقاعاتها تمس قلب كل من يريد ان يقول للعالم "أنا هنا" ... فكل الذين يلفظهم المجتمع، لعدم فهمه لتميزهم، يصرخون فى وجه هذا المجتمع ويعلنون عن نفسهم بمنتهى الثبات والقوة ... ويقولون له سنظل باقون وانتم الزائلون، فنحن المبدعون القادمون من الظلام الذى وضعتونا فيه، لن ننكسر وسنغرقكم فى طوفان تميزنا ولن نسقط رغم جراحنا العديدة وسنصل للمجد رغم انف كل فكر متحجر متجمد.

الفيلم به رسائل قوية لكل من يريد ان يعبر الحياة من اوسع ابوابها ... ولكل من يريد ان يلتمس من فن السينما ما يعينه على القضاء على تحديات تلك الدنيا ... ولكل من يظن ان احلامه لا تستحق الظهور وعليه ان يتبع ما يفرض عليه من احلام، ما عليه سوى ان ينضم لمن هم مثله ليخلقوا سويا سيركا تتجسد فيه الاحلام والطموحات على غرابتها، لتشكل العالم الذى بدونه لا يمكن ان نطلق على ما نعيشه ابدا حياة.

فادى رمزى