#غادة_بدر من الكويت تكتب: أحلام مصري تدهس تحت عجلات طيش الوانيت

كتب بواسطة: غادة بدر في . القسم اهم خبر


كانت لي مقالة سابقة عن المغترب الذي يسافر إلي بلاد الغربة محملآ بالآمال العريضة، المغمسة بكميات هائلة من شحنات الحقد والنفسنه من كل من هم فى محيط عائلته وأصدقائه وزملائه في العمل. وقطعآ لم يصدقني احد عند سرد المعاناة التي يجابهها المواطن المصري خارج وطنه، من إهانات واستنزاف مستمر لصحته ولعمره، إلي نهاية ممر المعاناة الطويل الذى يمضى فيه عند جلوسه وحيدآ في قبو الذكريات، منسيآ من كل افراد عائلته وأصدقائه.

ظن الكثير منكم أنني أبالغ وأن شهادتي مجروحة، كوني من مغتربي الخارج وأقيم بدولة من دول البترول الغنية، ولذا قررت اليوم أصدقائي أن أشركم معي أحزاني عندما سمعت عن مأساة شاب مصري بسيط مقيم بدولة الكويت ... شاب في مقتبل عمره .. كل ذنبه أنه حلم، وبرغم بساطة أحلامه إلا أنها لم تكن على مقاسه.

ظل السروال يقع منه من فرط تقتيره على نفسه طيلة رحلة البحث عن لقمة العيش - فقد كان جل حلمه البسيط أن يكون له كيان في بلد شقيق، بعد أن فشل أن يكون شيئآ له قيمة تذكر في وطنه .... إرتضى أن يعمل ما لا يقبله في وطنه ... بحثآ عن رزق لا يجده أيضآ في وطنه ... وضع شهادته بجانب الحائط ووافق على أن يعمل بائعاً لسي ديهات ألعاب الكبار والصغار في محل تجاري بمجمع شهير بالكويت.

كان ينتظر كل أول شهر ليجمع فلساته البسيطة على دنانيرة المعدومة لإرسالها لأهله البسطاء ... لتعينهم على تحمل حياة قاسية يمضونها في وطن أغنياءه ينهبون كل خيراته ولا يتركون حتى الفتات البسيط لبسطاءه، فيتركونهم لكل يد تنهش فيهم.

كان الشاب المصرى المقيم يتحمل كل يوم في عمله ما لا طافة لبشر به – يتحمل وقاحات الزبائن ومشاغبات الأطفال – فأغلبية زبائن المجمع من المواطنين، أي من حاملي الجنسية الكويتية ذوى الدخول المحدودة والعائلات البسيطة.

الكويت، مثلها مثل أي دولة عربية، تتمتع بالطبقية وبشكل يعد ملحوظآ نوعآ ما – ولن أتحدث هنا عن الطبقية بين مواطني الكويت والمقيمين - ولكنني سأحدثكم عن الطبقية الموجودة بين مواطني الكويت بعضهم البعض - فهذا حضري وذاك بدوي وهذا من عائلة ذات أسم رنان وذاك من عائلة وضيعة وهذا من عائلة درجة أولى وذاك من عائلة ذات درجة عشرة وهذا من أب وأم كويتي وذاك من أم وافدة (لبنانية – مصرية – سورية – أيا كان) وأب كويتي ... وهذا سني وذاك شيعي وهذا وذاك وهذا وذاك ... فكل يتعامل ويأخذ بقدر عائلته ومكانتها، وقطعآ لا زواج ولا أنساب بين الطبقات وبعضها.

والجنسية الكويتيه لها درجات أيضآ تكتب في البطاقة المدنية، فهناك مواطن درجة أولى ومواطن درجة ثانية....... إلخ.

نعود إلي مجمع السي ديهات بدولة الكويت – حيث يحضر الكويتي ذو العائلة البسيطة إلي المجمع محملآ بشحنات العنصرية والإضطهاد الطبقي، ممن هم من عائلات تفوقه نسبآ وثراء بمراحل، ليمارس عنصريته هو الآخر على المقيم الغلبان العامل البسيط بالمجمع.

يتحمل الشاب المقيم المصري كل يوم تلك الشحنات تباعآ -– حتى هذا اليوم الذى جاء فيه المواطن حاملآ السي دي بعد مشاهدته واللعب به لساعات طويلة – يريد أن يسترجعه ويستعيد أمواله - لأنه ليس ما يبيه (يبغيه أو يريده) – عند هذا الحد لم يحتمل العامل المصري – فثمن السي دي سيخصم من راتبه الشهري البسيط.

تطور الحديث بينهما - فتطاول المواطن على المقيم – بداء بالسب والإهانة وأنهى الحوار بمد الأيد ... هنا لم يحتمل المقيم المصري أن يمد عليه أحد يده عليه ويقف ساكنآ خانعآ – فهو لم يخرج من وطنه حتى يدوسه البشر بأقدامهم ويسفكون أدميته.

أمسك المصرى المقيم بيد المتطاول محاولآ إيقافه عند حده – وهنا تطورت المشادة أكثر بعد سحق المقيم للمواطن الكويتي وإنزاله أرضآ – هنا ثارت كرامة المواطن الكويتي فسرعان ما أتصل بالربع (الأصدقاء) للأغاثة فأسعفوه في التو واللحظة، وما هي إلا دقائق معدودات إلا وعاد إلي المقيم المصري وأنزله وربعه أرضآ.

هنا ثارت كرامة زملاء العمل بالمحلات المجاورة وهرعوا إلي مواطنهم المصري ليسارعوا بنجدته – إلي هنا وكانت مشاجرة ذات قوى متساوية، وأعتقد والله أعلم أن جانب المقيم المصري قد ألحق الهزيمة بجانب المواطن الكويتي – وعند هذا الحد أنتهت المشاجرة بالمجمع.

ولكن المشاجرة لم تنته بداخل المواطن الكويتي المخذول، فقد شعر بداخله أنه أنهزم هزيمة نكراء من هذا "النكرة المقيم ببلاده" والذى ينعم بخيرها – وبالتالى ليس له سوى أن يعيش بينهم وكبرياءه ممرمغآ على الأرض.

قرر الكويتى أنتظار المصرى خارج المجمع لتصفية باقي حسابه معه، وبالفعل إنتظره جالسا بداخل سيارته، ولكن لم تكن المعركة حينها متكافئة – فقد قاد المواطن (الوانيت) أو السيارة في إتجاه المقيم وقام بدهسه والمرور على جسده خمسة عشر مرة طبقآ لشهود العيان.

نعم ... مات الشاب المصري وماتت أحلامه كلها دفعة واحدة - لعل أصدقائه في الوطن الذين لطالما حسدوا وغبطوا عليه فرصة العمل في الخليج يشعروا الآن بمدى ما أنعم الله عليهم من نعمة النوم الآمن في أحضان الوطن.

لا أعلم علم اليقين أن هذا هو ما حدث بحذافيره، وإن كان المصرى المقيم هو المخطىء فى المشاجرة أم لا، فالعلم عند الله وحده ... وقد تكون مصريتي وحبي لإبن وطنى هي ما وجهت قلمي فى سرد أحداث المشاجرة ... ولكن يبقى أننا هنا أننا أمام جريمة قتل خارج المجمع مع سبق الأصرار والترصد ... خمسة عشر مرة.

ومازال المقيمون المصريون بداخل دولة الكويت في إنتظار حكم القضاء العادل.

غادة بدر

الخبر كما جاء فى جريدة الوطن الكويتية مع فيديو لمسرح الجريمة