#غادة_بدر تكتب: عن أي شعب تتحدثون !!

كتب بواسطة: غادة بدر في . القسم فنون

 
التلفاز في شهر رمضان الكريم يتحول بقدرة قادر الي أداة مغناطسية همها الأول والأخير جذب أكبر عدد ممكن من المشاهدين، وجعلهم زاهدون في الدنيا وعبادتها، ليتحولوا إلى عبيد للمسلسلات التي يحاول مخرجيها ومنتجيها الصرف عليها بمنتهى البذخ، في شهر سماته الاولى هي الزهد !! فأشعر وانا ارى مسلسلات الشهر الكريم وكأنني أمام موائد الأفطار العامرة بكل ما لذا وطاب ..

ولن أنكر انني من هؤلاء القوم العبيد، فعلى البرغم من انه ليس من عادتي متابعة المسلسلات في الأيام العادية، الا أنني في الشهر الكريم أتحول مثلهم تماما ... فتجدني أقرب إلى المجانين فأفرغ نفسي لبذل كل مجهوداتي لأتابع أقصى عدد من المسلسلات التي تعرض في آن واحد ... فتراني أتابع ثلاثة مسلسلات في ذات الوقت، واحد من خلال التلفاز وأخر على الموبايل ولا مانع ايضا من واحد ثالث على الكمبيوتر.

هذه السنة لم تختلف عن سابقيها، فقد كنت اشاهد مسلسلا لغادة عبدالرازق، الذي دخلت فيه السجن ومن ثم مصحة الأمراض النفسية ... وشاهدت ايضا معه في ذات الوقت مسلسلا أخر لنيلي كريم، دخلت فيه أيضا السجن ومن ثم مصحة الأمراض النفسية ... وشاهدت ايضا مسلسلا أخر في وقت لاحق ليسرا، كانت ايضا تعاني من كل العقد والأمراض النفسية وكانت تتلقى علاج على ايدي طبيب نفسي قتلته في اول حلقة، ولذا كانت في طريقها إلى مصحة الأمراض النفسية أيضآ. وكان هناك مسلسلا لليلى علوي، أتذكر ايضا أنها كانت تعاني فيه من بعض الهلاويس ... التي قطعا كانت ستدخلها مصحة الأمراض النفسية.

أعلم اننا كمصريين نمتاز عن الشعوب الأخرى بحب النكد وتهويل المواجع والمصايب ... كما ان داخلنا كم من العقد النفسية والكلاكيع التي من الممكن ان تملأ محيطآ بأكمله ... بالأضافة الي ذلك فإننا في الفترة الأخيرة بداءت تظهر علينا أعراض جديدة، فتجد أفراد العائلة الواحدة يتهمون بعضهم البعض بالخيانة، وينظرون الي بعضهم بنظرات يملأها الأرتياب والشك، وهكذا نستحق كلنا ان ندخل مصحة الأمراض النفسية.

ومن الحقائق المؤكدة في هذا الكون أنه لا يوجد على وجه البشرية انسان خالي من المشاكل والهموم، فلذا لن ألقي باللوم على مؤلفي مسلسلات المصحات النفسية ... ولكني كنت أتمنى ان تكون مسلسلاتنا متنوعة كموائد افطارنا، التي تحتوي على كل الأصناف وليس فقط الصنف الفاخر المجنون.
ولكن ما يحدث كل عام من مؤلفي وسيناريست وصناع المسلسلات يصيبني دائما بخيبة أمل ويجعلني أقتنع تماما أنهم يعانون من حالة إفلاس منقطع النظير، او انهم يحيون في كوكب اخر ... غير هذا الوطن الذي نحيا كلنا عليه.

ففي العام الماضي لاحظت وكتبت ان معظم مسلسلاتنا كانت بلا حجاب، على الرغم من أن معظم نسائنا يرتدين الحجاب ... وكأننا نتكلم عن شعب اخر غير الشعب المصري ... ساعتها قلت لنفسي ما تدقيش يا بنت يا غادة ... مش مهم ده شكليات مالهاش لازمة ولابد من تجميل الوطن.

ولكنني الأن عندما اشاهد المسلسلات أتعجب من هذا الثراء الفاحش الذي تدور حوله معظم مسلسلات رمضان .. الفلل الفاخرة الأقرب إلى القصور منها للفلل ... الكمبوندات السفن ستار (يا حسرتااااه على غربة السنين . قال ايه اكتر من عشرين سنة غربة وراجعة بنصف فيلا سيمي دايتاتشيد وعاملة فيها بنت ناس ومن اصحاب الفلل .... طووووويب).

أعلم تماما ان هناك طبقة غنية في مصر، وهي طبقة رجال الأعمال والسلطة، ولكن أعلم أيضآ انها لا تمثل سوى خمسة فى المائة من الشعب المصري ... وما لا أعلمه أيضًا هو الهدف من اظهارهم في مظهر الطبقة السطحية اللاهية الإنتهازية، التي لا تشعر بمن حولها وتعيش في طبقة برجوزية معزولة.

كما أيضآ يحرص المخرجون على اظهارهم وكأنهم يعيشون في بؤر الرذيلة والخيانة، فلا قيم ولا دين ولا مبادىء تحكمهم، على الرغم من اني اعرف منهم الكثير وهم افاضل ومحترمين وكلهم مبادئ وقيم وليس كما يحرصون على أظهارهم في مسلسلاتنا !

انا لا ارى سوى هدف واحد من أظهار مخرجي المسلسلات مدى سطحية هؤلاء البشر امام الشعب المصري، الذي غالبيتة العظمى من اصحاب الدخول المتوسطة، الا زيادة الحقد عليهم، وبالتالي تزداد شعلة الغضب المكتوم من التفاوت الطبقي اللا معقول بينهم وبينه .. مما ينتج عنه ما لا يحمد عقباه.

لماذا لا أرى مسلسلات تحكي عن واقع مشاكل وهموم ال٨٠ مليون مصري، التي قطعا ستكون مشاكلهم اكثر عمقا وأهمية من مشكلة غادة عبد الرازق او مشكلة يسرا اللي بوشين او مأمون وبخله.

للأسف الشديد سافرت بعد اكتمال عشر حلقات من كل مسلسل ... كان في امكاني استكمال مشاهدة الحلقات عبر اليوتيوب ولكني لم افتقد اي منها، ولم اشعر بأي رغبة في استكمال اي مسلسل رمضاني سوى مسلسل واحد ... وللأسف لم يكن مسلسل مصري بل مسلسل كويتي اسمه ساق البامبو.

المسلسل يروي قصة حقيقية تحدث في كثير من بيوت المجتمع الكويتي ويسلط الضوء عليها لمحاولة علاجها قبل ان يفوت الأوان ... مجتمع قرر ان يكشف عوراته أمام الملء لكي يجد لها حلا جذريا. القصة مؤلفها كويتي فلبيني، قرر ان يسرد معاناته في مجتمع عنصري من الدرجة الأولى ... كان من الطبيعي ان تظل هذه القصة في غياهب الظلام لولا شجاعة فريق الانتاج والإخراج لخلق هذا العمل وإخراجه إلى النور.

باختصار ودون الدخول في التفاصيل عديدة، يدور المسلسل حول اسرة كويتية ثرية يحكمها الكثير من العقد والتقاليد، الأم ترفض زواج أبنها الوحيد من محبوبته لمجرد انها من اسرة لا تتناسب مع مستواهم الأجتماعي ... فالجنسية الكويتية درجات، تبدأ من الاولى وتنتهى بالثامنة ... المهم تفاجأ الأم فيما بعد ان أبنها الوحيد، الوريث الوحيد لأسم العائلة، قد تزوج في السر من خادمتهم الفلبينية دون علمهم، وثمرة هذا الزواج طفل كويتي بملامح فلبينية لا يعترف به مجتمع عنصري من الدرجة الأولى.

ترفض الجدة التى تتمنى وريثا لإسم عائلتهم العريق هذا الابن ذو الملامح الأسيوية، فيرسله والده مع أمه للفلبين مدارة الفضيحة ... لتتفاقم المشكلة بعد عدة سنوات برجوع شاب الي وطنه فاقد الهوية، فهو ورقيا كويتي مسلم وداخليا فلبيني مسيحي.

المسلسل جيد جدا ويحاكي الواقع وهو يتطرق لمشكلة جوهرية يطرق عليها بيد من حديد ... كما انه أيضآ في نفس السياق الدرامي يفتح ملف "البدون" الذي أصبح قنبلة موقوته داخل المجتمع الخليجي وبالأخص الكويتي .. فهم البدو الذين يعيشون داخل الدولة يتكلمون نفس لغة أهل الكويت، لهم نفس الشكل والعرف والعادات والتقاليد واتحداك ان تفرق بينهم وبين اي كويتي ... فمعظمهم له اخ كويتي او ابن عم كويتي او خال كويتي، ولكنه هو وعائلته من غير محددي الجنسية، اي "بدون" جنسية.

وبالتالى لا يحق لهم السفر خارج البلاد، وأولادهم يقفون عند التعليم الثانوي فقط وبالتالى ليس لهم سوى الوظائف الدنيا في دولة لم يروا غيرها. ليس لهم اي مستقبل، فكيف يكون له مستقبل دون جواز سفر ... في عالم تحكمه جوازات السفر.

ان اطفالهم هم اطفال الشوارع بالكويت، تجدهم في اشارات المرور يبيعون المناديل وألعاب الاطفال فلا يسعك سوى مد يد التعاون لهم وشراء بضاعتهم، حتى ان لم تكن بحاجة اليها ... فلن تكون انت والزمن عليهم.

تحياتي لمنتج هذا العمل الدرامي الجميل .. فهكذا يكون الفن يحاكي الواقع.

كلمة اخيرة .. الخليج العربي في مجال الغناء والمسلسلات، اي مجال الفن، بدأ يخطو خطى واسعة تجعلني أخجل من رداءة الفن المصري الهابط.

غادة بدر