مؤلف #القيصر يبحث فى دفاتر التأليف القديمة

كتب بواسطة: فادى رمزى في . القسم فنون


مسلسل احداثه مشوقة وسريعة ولا تشعر بالممل عند مشاهدة حلقاته، وهى سمة نادرا ما تتسم بها الدراما التليفزيونية المصرية. والسبب الأول فى هذا هو السيناريو المحكم لمحمد ناير، وهو مؤلف شاب ابهرنى شخصيا بمسلسل "المواطن إكس" (بطولة يوسف الشريف ايضا) فى 2011. فهو يتميز بالمام كامل بالتفاصيل بدون ان تهرب منه تفصيلة واحدة، مع قدرة على المزج بين التشويق والاثارة والعمق ايضا فى رسم الشخصيات ... وفى المواطن اكس ظهر تميزه ايضا فى تحليل الواقع المصرى بمشرط جراح دقيق بدون مبالغة او ابتذال او تسطيح.

لكنه فى القيصر مال اكثر نحو التشويق والاثارة على حساب العمق، وفلت منه مشرط الجراح فى بعض التفاصيل الهامة، ربما لان نقد الواقع المصرى الآن فى مسلسل يتناول "الجانب الأمنى" قد لا يكون مأمون الجوانب بالنسبة له .... فنرى مثلا طغيان القاب البهوية والباشاوية فى الجمل الحوارية بين رجال الأمن المصرى .. حتى فى خضم مطاردة مثيرة تتطلب التحرك بسرعة نجد محسن باشا يطلب "على بيه فى العمليات" ... قال يعنى لو قال له "على" بس المجرمين هيهربوا والعملية هتفشل !!

ايضا ضخم ناير من "المعاناة" التى يمر بها الأمن المصرى فى ظل "المؤامرة العالمية" على البلاد ... بينما "الشباب على القهاوى بيشتموا فى البلد وهم مش فاهمين حاجة". رسائل وحركات "قارعة" ومفقوسة ما كان يجب ان تأتى من مؤلف "شاب" لا تتسم اعماله ابدا بالتسطيح المخل بهذا الشكل ... فالدول كلها تعانى من الأرهاب ولكنها تعمل وتتقدم على اسس علمية سليمة وتراعى حقوق مواطنيها فى نفس الوقت ... يمكن السبب ان رخصة محمد ناير اتسحبت منه وهو راكن عن سمسة فى الدقى وعايز حواراته الأمنية تجيب له واسطة ويرجعها (لا تراجع ولا استسلام ستايل).

ولكن بالطبع تأتى خطيئة المؤلف الكبرى فى رايى فى المشاهد الأخيرة من هذا المسلسل الذى جذبنى لمتابعته من اول حلقة وحتى النهاية، التى ننتظر فيها كشف كافة جوانب الغموض حول شخصية (القيصر)، هذا الارهابى المتمرس الذى نجحت السلطات المصرية فى تجنيده للعمل لصالحها بعد ان كان سيمضى عمره فى سجن "المغارة" ... واذ بنا نفوجأ باللقطات التى جاءت لتفسر كافة الغموض، وبها ممثلين مختلفين تماماً عن ابطال القيصر، فيما عدا يوسف الشريف ... مع احداث متلاحقة غير مفهومة تظن معها انك ضغطت بالغلط على زراير الريموت كنترول ودخلت على مسلسل تانى.

هرعت الى الفيس بوك اطلب المساعدة من اصدقاء لى يتابعون القيصر ... واذ بى اكتشف ان الاستاذ ناير ربط النهاية باحداث مسلسل اخر وهو "اسم مؤقت" لمؤلف آخر اصلا !! ... مسلسل تم عرضه منذ 3 سنوات ّ!!! ... يا سلاااااام !!! ... ده المؤلف لما يفلس يدور فى دفاتر مؤلف تانى القديمة ولا ايه !! ... طب فرضا المشاهد لم يتابع المسلسل الآخر، او تابعه لكنه مش فاكره ... فجأة تحول مسلسلك لجزء ثانى من مسلسل آخر بدون اى تنويه أو تفسير ويتم سلق النهاية وكروتتها بهذا الشكل !! .... الحقيقة انه حل درامى افقدنى الثقة فيما يقدمه المؤلف من اعمال وبالتأكيد لن اتابع مسلسلات اخرى له فخسارة فيها الوقت الصراحة.

اما الأخراج لأحمد نادر جلال فهو السبب الثانى فى جعل عيناى متسمرة امام الشاشة ومنبهر من سرعة الإيقاع والحرفية العالية فى تقديم المشاهد المختلفة ... فمشاهد سجن المغارة مثلا وغرفة التحقيقات كانت تتحول لتابلوهات فنية من حركة الكاميرا ودرجة الإضاءة مع الموسيقى المصاحبة والجمل الحوارية القوية.

ايضا اجاد احمد جلال اخراج مشاهد الأكشن وخاصة التى كان فيها القيصر يواجه مجموعة من الأرهابيين ولكنه، على طريقة رجل المستحيل ادهم صبرى، كان "يفاجئهم بحركة لم يتوقعها ايهم وبضربة ساحقة يحول انف اضخمهم لكتلة من اللحم المفرى ويخرجه من الصراع نهائيا" (نبيل فاروق ستايل).

ايضا مشاهد قلعة تدريب الارهابيين جاءت مقنعة جدا والتدريبات القاسية تم تقديمها بحرفية عالية مما زاد من مصداقية الأحداث، وكل هذا يعكس سخاء الانتاج ىتوظيف كافة الامكانيات لاخراج مشاهد تحترم عقلية المشاهد.

بالنسبة للتمثيل فقد كان متباينا بين التألق والنمطية الشديدة على النحو التالى:

يوسف الشريف ... مبهر ومقنع جدا، بذل مجهوداً كبيراً على المستوى الفنى والبدنى ونجح فى التنقل بين المشاعر الجامدة لارهابى متمرس والطبيعة الانسانية التى تظهر فى مواقف معينة يدق فيها قلبه تعاطفا مع الضحية او من يلحق به الضرر من جرائم الارهاب الوحشية. شخصية مركبة جدا نجح يوسف فى تقمصها بدون افتعال وبطريقة تلقائية سلسة، ومن اقوى مشاهده تلك التى كانت مع طفلة ابنة جار له فى احد المنازل التى كان يختبىء بها، ابتسامته كانت رقيقة ولكن متحفظة، فهو لا يريد الارتباط بالطفلة ولكنه لا يستطبع مقاومة الاعجاب بشقاوتها وبرائتها. اداء رائع من ممثل متميز فى كل ادواره الصراحة.

ريهام عبد الغفور ... ادت دور "ناشطة" فى احدى مؤسسات حقوق الانسان وتتعاون مع الاجهزة الأمنية لكشف المخططات الأرهابية. كانت شخصيتها مضطربة فهى لا تتخيل حجم الشر فى كواليس الامن والارهاب وبالتالى كانت تتردد بين الرفض والمواجهة المباشرة او التأنى واتباع فضولها فى المعرفة ... ونجحت فى ابراز قوة الشخصية واضطرابها وضعفها فى مواقف مختلفة. من اقوى مشاهدها تلك التى فقدت فيها احدى صديقاتها بطلقة قناص كان يقصدها، فقد ركزت انفعالاتها فى رفض وصول الشر الى هذه الدرجة مع لوم نفسها وليس فقط نقل الصدمة من هول ما حدث ... بينما القيصر يوسف الشريف يحاول ان يجعلها تركز اكثر على انقاذ حياتها ... اداء من الاثنين من اقوى وابدع ما جاء فى المسلسل كله.

خالد زكى، أشرف زكى، عبد الرحيم حسن ... ثلاثى باشاوات الأمن المصرى ... اداء نمطى جدا وافتعال فى رسم الغموض والعلم ببواطن الأمور. يمثلون بالبدلة وليس بالانفعالات التلقائية المطلوب نقلها للمشاهد حتى يرتبط بالشخصية ... يتحمل المؤلف جزءً من المسئولية فقد رسم ادوارهم كروبوتات امنية لا تخطىء ابدا. فهى شخصيات مطلوب "تنجيمها" حتى يشعر المشاهد انهم شايلين البلد على أكتافهم بالذوق او العافية. لكنهم كممثلين مخضرمين ما كان يجب ان يقعوا فى فخ النمطية هذا التى سبقهم اليها محسن بيه ممتاز وعزيز بيه الجبالى وغيرهم من اصحاب مدرسة "مصر يا رأفت" فى الأداء الدرامى.

أحمد حلاوة ... الدساس زعيم التكفيرين ... مرعب فى اداءه ويطلق الجمل الحوارية من اعماق قلبه وليس من حنجرته. والغريب انه هو نفسه "بندق" الاهطل فى مسلسل نيللى وشيريهان وله ادوار عديدة متبانية فى اعمال اخرى وصولا الى السكير بخور شطريط فى رأفت الهجان. موهبة كبيرة لم تحظ بحقها فى المتابعة، ولديه قدرة متميزة على التقمص والتلون. مشاهده فى القيصر قوية وله بصمة مميزة على الرغم من قلتها.

اخيرا هو مسلسل يستحق المشاهدة بكل تاكيد ومستواه الفنى يرقى لمستوى مسلسلات الأكشن الأجنبية، وبالتالى يعطى الأمل فى ان نرتقى بالدراما المصرية لمستوى اعلى من المستوى "الرمضانى" المعتاد. ولكن عليك وانت تشاهد المسلسل ان تعمل حسابك انك هتتفرس فى الآخر، وبالتالى لا تضع املا فى ان تفك كل خيوط الغموض كما هو المفروض بل استمتع بالتشويق والمشاهد ذات الجودة العالية والاداء الراقى لاغلب ابطال العمل.

فادى رمزى