#غصون_روحى تكتب: أفراح القبة مابين المسرح والتلفاز

كتب بواسطة: غصون روحى في . القسم فنون

 

"All the world's a stage, And all the men and women merely players", William Shakespeare

هذا ماقاله الشاعر والكاتب الأنجليزي (ويليام شكسبير) : " كل العالم عبارة عن مسرح ، وإن كل الرجال والنساء ماهم إلا لاعبون على هذا المسرح". وهذا ما تفنن الكاتب الراحل المبدع (نجيب محفوظ) في إيصاله للقارئ من خلال روايته (أفراح القبة) وجاء المخرج (محمد ياسين) بعد سنوات لينقل هذا العالم المسرحي على الشاشة الصغيرة فيبهرالمشاهد ويتركه يغوص في عالم خيالي يشبه عالمه الواقعي الى حد كبير!.

شخصيات مركبة
يعالج الكاتب هنا العمق السيكولوجي للشخصيات بطريقته واسلوبه السلس المعتاد، فترى داخل كل ممثل إنسان يبحث عن شيء ما ينقصه ، يصارع نفسه والأخرين للوصول الى مايرنو اليه أو كي يغطي على الجانب المظلم فيه قدر ما أستطاع، يأخذ كل شخصية ويبدأ لنا بسرد حكايتها من بداية حياتها ليكشف لنا سبب وصول الشخصية الى الحالة التي هي عليها الان، وهنا نرى كيف يؤثر الماضي في تكويننا وصقلنا. هو في الغالب يدعكنا كقطعة قماش متسخة إما أن تصبح بعده نظيفة أو أن تتمزق من شدة الدعك!.

جاء انتقاء المخرج لكل ممثل بدقة تامة، فجعل اصغر الأدوار تمثل من قبل ممثل محترف، كتسليم دور والد تحية للفنان القدير (سيد رجب) فعلى الرغم من المشاهد القليلة إلا انه دور في غاية الأهمية، فهو الوالد الذي أثر في حياة كل فرد من عائلة تحية.

وجاء أختيار (رانيا يوسف) في دور الراقصة سنية، ولأول مرة أرى في رانيا يوسف هذه القدرات على الرغم من انه ليس بالدور السهل، فلقد برعت في أن تدع المشاهد يرى الحزن بداخلها الناتج عن الماضي المؤلم والحياة القاسية التي وضعتها فيها امها منذ صغرها حتى وهي ترقص بأبتسامة ! وتميزت (كندة علوش) في دور فتنة، تلك الشخصية الصعبة السهلة في ذات الوقت التي أجتمع فيها : الشر والخير ، القوة والضعف ، الحب والكراهية .. ماجعل منها شخصية مجنونة ينتهى بها الأمر في (الخانكة او العصفورية).

ولقد فاجئت كندة جمهورها ليس بتقمصها لمثل هذه الشخصية التي تختلف تماما عن أدوارها السابقة وحسب بل بإتقانها وأضافتها لمسة جمالية جعلت للشخصية نكهة مميزة ستظل معلقة في ذهن الجمهور.

ولو جئنا للفنانة الكبيرة (سوسن بدر) التي مثلت دور الأم الأستغلالية التي أستخدمت بناتها كسلع تدر عليها بالمال ، فسنرى تمثيلاً مدهشاً ! ، أنفعالات الوجه ، حركة اليدين ، طريقة الكلام والمشي ، نظرات العين ، كلها لا تأتي إلا من فنانة ذات خبرة وقدرة عالية على أستيعاب الشخصية وتجسيدها.

وسطع نجم (صابرين) مرة أخرى-بعد أم كلثوم، فبدت وكأنها كتلة من المشاعر والأحاسيس المتجانسة والمتناقضة في آن واحد : الأم الحنون ، المرأة اللعوب – بعين زوجها - والخائنة – بعين ولدها - والسيئة بعين المجتمع .. تجعلك حائرا مابين أن تتعاطف معها أو تنبذها.

وظهرت (صبا مبارك) بدور مغاير برعت فيه هي الأخرى، شخصية شبه مجنونة أو مضطربة نفسيا، مستمتعة في كونها النجمة الأولى وفي داخلها تحمل حلم الأمومة الذي شكل لها عقدة ونقطة ضعف، وهذه الشخصية هنا تعبر عن االمرأة التي مهما وصلت في طموحها وعملها تظل تبحث عن الحب والعائلة.

ونحن متابعو الدراما السورية نعرف قدرات صبا التمثيلية قبل أن تعرف من قبل الجمهورالمصري، فلطالما كانت مبدعة في أدوار كثيرة اهمها شخصية (مرام) في مسلسل (الشمس تشرق من جديد) امام (عابد فهد).

وعن (جمال سليمان) فلقد كان ملك المسرح وهو يجسد شخصية الرجل القوي المسيطر، وبدا كاللاعب المحترف الذي يحرك رقع الشطرنج بذكاء وبراعة، وهو غني عن وصف قدراته التمثيلية فهو لازال ذلك الفنان المثقف والمحترف الذي يليق به ويبرع في اي دور يؤديه.

اما عن اجمل شخصيتين في المسلسل (تحية) و(طارق) فعلى الرغم من أن شخصية كل منهما كانت تخفي خلفها ماضي مغلف بالأحزان، ألا أنهما كانا فاكهة العمل أو (كنافة رمضان) بالنسبة للمشاهد. كنت أستمتع بمشاهدتهما وكان تمثيلهما صادقا وحلوا في الحزن والفرح. تتعاطف معهما على الرغم من أخطائهما، وتغفر لهما لأنك أحببتهما ... خفة دم (تحية) ، مرحها ، شقاوتها ، حزنها وغضبها ، طموحها وأصرارها بان تخرج من عالم أمها (القذر) الى عالمها الذي طالما حلمت به. مثلت منى زكي بعينيها وجسدها ، حتى عندما رقصت كانت تمثل بكل جوارحها ، كانت مبهرة وتستحق الأوسكار بلا شك عن دورها.

طارق رمضان .. شخصية من صلب الواقع ، الأنسان الذي يكدح حتى يخرج من الدور الثانوي في الحياة ويصعد نحو الدور الأول الذي يستحقه ، تعبيرات (اياد نصار) كانت مبهجة في اللحظة التي أجتمع حوله المعجبين لطلب صورة أو توقيع ، صرخة الفرح والنجاح بعد التعب، كم شخص مثل هنا في واقعنا المرير ... تألق (أياد نصار) وكان بطل بلا منازع.

وتألق كل ممثل وكومبارس – لم يسعني ذكرهم - في دوره الذي كان خليطا سحريا بين المسرح والتلفزيون، هو ماجعل العمل مكتمل. وبالطبع معظم الفضل يعود للسيناريو والحوار الذكي المتقن على يد كل من (محمد أمين راضي) و (نشوى زايد) وجائت الخاتمة بطريقة لذيذة، حيث أنحنى الممثلون جميعا للمشاهدين على المسرح والتلفاز وكانوا هم من يستحق من المشاهد الإنحناء والتصفيق بحرارة.

غصون روحى