#غادة_بدر تكتب: لا يخيفنى النوم وحدى بل يرعبنى

كتب بواسطة: غادة بدر في . القسم منوعات

 


لا يخيفني النوم وحدي ... بل يرعبني ... فمنذ مدة ليست قليلة وأنا تراودني الكوابيس كل ليلة ... أرى نفسي أسير في شوارع الغربه وحدي تحوطني برودة الوحدة ... لا احد معي ... فقط انا ... اختفى البشر من الكون وبقيت انا.

لا اعلم بالتحديد من اين أبدأ قصتي .. ولكنني سأبدأ بمقولة لطالما أرددها بينى وبين نفسي دائمآ ... "حياة بلا ناس لا تنداس" ... وطبعآ الناس دول حتماً ولابد أن يكونوا من الأصدقاء ... ومن هنا سأبدأ بشرح ملخص صغير عما هو مكنون الصديق.

في أحد الأيام تعرفت على إنسانة كنت أشعر وأنا معها انني انظر في مرآتي ... فلم تكن بيننا يومآ أية أسرار أو أبواب مغلقة، فجميع الأبواب بيننا كانت مفتوحة على مصراعيها. حياتي وحياتها كانوا كالكتب المفتوحة امام كل منا ... لم تكن أحدانا تخطو خطوة في حياتها إلا بمشورة الأخرى، فقد كنت لها نعم الأخت ... ولكن شاءت الظروف ان نفترق وتباعد بيننا الأيام ... وهكذا هي الحياة.

وقبل ان أبداً في سرد قصصي الممله في الحياة ... سأقص عليكم قصة (علي وأحمد) ... علي وأحمد صديقان منذ الطفولة ... كتبا أسمائهما سويآ على رمال البحار ... وعندما كانت الأمواج تمحو الإسمين يسارعان بكتابتها مرة أخرى.

صديقان وسط حفنة كبيرة من الاصدقاء ... ولكنهما كانا دائمآ الاقرب الي بعضهما البعض .. فبحكم كونهما يقطنان في نفس البناية كبرا وهما يذهبان سويآ إلي نفس المدرسة .... (علي) خانه الحظ ودخل كلية الشعب ... التجارة ... (أحمد) كعادته تفوق وتخرج من الهندسة.
كان (علي) دائماً يشعر أنه الأقل حظاً من (ٱحمد)، فهو لم يتمكن من الالتحاق بكليه الهندسة بفارق درجات قليله، وها (احمد بن المحظوظه) سيسافر تاركآ اياه بعد عدة أيامآ معدودات ... فقد حصل على عقد عمل بالخليج.

بكى (علي) كثيرا عند سفر (أحمد)، ولا يعلم أحد هل (علي) كان يبكي فراق صديقه أم يبكي حظه العاثر ... ولكن بنظرة أعمق للأمور سنكتشف أن المنعم والمحظوظ لم يكن (أحمد) على إي حال من الأحوال.

(علي) .. الذي ظل قابعآ في في أرض الوطن .. كان لديه كنز لا يفني ولا يعلم قيمته إلا المغترب ... كان هذا الكنز هو دفء عائلته وباقي شلة الأصدقاء، ولبس هذا فقط ولكن كان لديه ايضا رفاهية أختيار الصديق ... يعني لو معجبوش ده يقلب الصفحة ويدور على غيره.

تلك الرفاهية لا تكون متاحة ابدا للغريب في رحاب الله ... (يعني بأختصار لو لقيت وصادفت صديق في غربتك، وما كانش مرايتك ولا حاجة او حتى كان مرايا منغبشة ومشرخة، خده وبوس أيدك وش وضهر وما تنساش تدعيلي)

نرجع للعبد لله أنا ... أختكم الفاضلة ... ولقصصي المملة ..

أجلس على كرسي الصغير بحديقتي ... متذكرة الماضي البعيد منذ أكثر من عشرين عاماً مضت،

فتاة صغيرة تسبقها أحلامها الوردية ... تزوجت وبدأت أولى درجات حياتها الزوجية في الأراضي الكويتية، تاركة كل ما تمتلك من ثروات خلفها .... تاركة عائلتها ... أصدقاء الطفولة ... أصدقاء الدراسة ... حصيلة ستة وعشرون عامآ ... كلها ذهبت هباء مع نسمات الريح الغادرة.

أرتشف أولى رشفات فنجان النسكافيه ... فتحضرني صور لملامح الكثير من مغتربي وطني ... الجائبون أراضي الله الواسعة .... فالملامح قد تختلف ولكن تبقى المشاعر واحدة .... تحضرني صوره باهتة (لأحمد) حاملاً حقيبة ملابسه على كتفه ... مودعآ أحلى ذكريات العمر، لا يودع ذكريات العمر فقط ولكنه يضع مستقبلآ مجهولآ على كف عفريت. حاملاً معه أيضآ ... كميات هائلة من شحنات الحسد والنفسنه من (علي) صديق عمره، وليس (علي) فقط ... فجميع أقاربه وجيران الحي وجيران جيران الحي ... الذين يحسدونه على الأموال الطائلة التي سيجنيها في بلاد الغربة ... التي غالباً ما سينفقها على صحته وعمره ووحدته.

تمر أعوام وراء أعوام وتطول غيبة (أحمد) وغربته ... ومع مرور الأعوام يفقد الكثير من العلاقات القديمة .. صداقات .. جيران .. أقارب ... يوم بعد يوم تغوص قدماه وتتوغل أكثر في رمال الغربة ... ينساه الكل .. أحبابه في الوطن ... حتى (علي) صديق عمره يشعر بأن مشاعره تجاهه أصبحت فاترة. ولما لا فقد اصبح (لعلي) صديقاً اخر لا يفارقه لحظة، حتى عندما يطلب مقابلته يأتي معه.

يتذكر (أحمد) أنه قد أصبح فقط الشخص الذي يأتيهم كل عام من العالم الأخر محملاً بكيس الهدايا ... بابا نويل الشرق ... يحاول (أحمد) إقناع نفسه بأنه من المحظوظين ... ولما لا ... فكل عائلته وأصدقائه مشتاقين له ... متلهفين لعودته ... ولكن في حقيقة الأمر يبقى سؤالآ يتردد بداخله دون أجابة، ينمو يومآ بعد يوم ... هل هم حقا يشتاقون أليه ام يشتاقون الي حقيبة هداياه؟؟؟؟

تحاول أمه وأخوته أقناعه بأنهم يكنون له نفس المشاعر الجياشة القديمة ... ولكنها مجرد كلمات، فقد أحتل مكانه أشخاصآ جدد من الابناء أو الأحفاد إلي أخره من طابور المقربين. فتظل كلماتهم مجرد كلامات لا تقلل من اوجاع غربته او تسكن من الآم الفراق والوحدة.

يتخذ (أحمد) قراراً مصيريآ ... قد يبدو متأخراً بعض الشئ ولكنه يشعر أن أوانه قد أن ... فيبدأ في المضي قدما بتكوين عائلته الجديدة في الغربة، فليس لديه المقدرة على الرجوع للوراء خطوة، فلا مكان له في الوطن وبالتالى ليس أمامه سوى إستكمال أختيار أجبر عليه.

ومع مرور الأعوام المتتالية تصبح شجرته مبتورة، فعلاقات أولاده بأولاد العم والخالة شبه معدومة، فقد أصبحت عائلته في تعداد الايتام عائليآ ... تصاحب ذلك محاولات اخرى من (أحمد) لزيادة حجم عائلته في الغربة ... تنتهي بمحاولات يائسة لبناء صداقات جديدة، ولكنها تبقى في النهاية صداقات مغلفة بطابع المصالح الشخصية.

نرجع مره اخرى الي جنة الخلد التي انتقلت اليها في يوم وضحاه، وانا عروس صغيره تاركة كل شئ خلفي ... عائلتي اصدقائي جيراني حتى حارس بنايتي ... لا شيء معي سوى كلمات. ووعود بأنني سأظل في الفؤاد والخاطر ... لا شئ معي سوى زوج محب ...

تمر الأيام والليالي علي ثقيلة طويلة فاقدة ثقافة تكوين الصداقات، فقد اعتدت منذ الصغر علي لإقتحامي ومطاردة الأصدقاء لي وتوددهم لي ... حتى أرضخ لهم في النهاية وأفتح لهم صندوق أسراري ... ولكن في الغربة ليس لدي الغرباء الوقت الكافي لإضاعته مع المأسوف على عينه أنا.

وهكذا مرت الأيام وتلتها الشهور ومن بعدها مرت ايضآ الكثير من الاعوام وكانت حياتي خاوية من صديقات حقيقات أشعر معهم بكياني ووجودي ... ولم يكن يلطف ويهون علي أيام الغربه وفقدان لمة الاهل ودفء حضن الام سوى زوج محب وأبناء اصبحوا دنياي الجديدة ... ولكن دائمآ كان بداخلي شعور بأن هناك الكثير من المشاعر تنقصني.

تنقصني الصديقة الوفية التي أبوح لها بمكنون فؤادي ... تنقصني الصديقة المخلصه التي أئتمنها على أسرار منزلي ... تنقصني الصديقة الحنون التي أبكي علي كتفها عندما يشتد بي الشجن والحنين للأهل والخلان.

وبعد مرور الكثير من الأعوام إستعدت أخيراً توازني النفسي، وأصبح لدي الكثير من الصديقات، إخترت من بينهن صديقتان كانتا الأقرب إلي نفسي ... أحببتهم كأخوتي فأصبحوا جزءً من عائلتي ... وأحتلوا مكانة كبيرة في قلبي.

منذ أكثر من عشرة أيام تركتني أحداهن وسافرت إلي غربة جديدة، وكأنها أدمنت ثقافة الإغتراب ... هاجرت بحثاً عن جنسية أفضل لأبنائها ... هربآ من جنسية أصبح أبنائها يهربون منها ... وكان الله في عونها فهي تبدأ من جديد في وطن جديد في عمر جديد ... في بلاد لا تعرف سوى البرودة في كل شئ ... برودة في الجو ... برودة في التعامل ... برودة في المشاعر.

وبعد أقل من شهرين ستلحق بها الأخرى، وكأن قد كتب علي العزف المنفرد طيلة حياتي ... وعزائي الوحيد أنه لازال هناك القليل من الأصدقاء المتبقين معي.

صديقاتي الاعزاء: هنيئاً لكن حياتكن الجديدة التي أخترتوها بملىء أرادتكن .. وبالرغم من أنني سأفتقدكن كثيرآ إلا أنه لا يسعني سوى منحكن حفنة من الدعوات بالتوفيق والنجاح في وطنكن الجديد. وخليني انا مع جنسيتي المصرية فأنا عاشقه لها، ولذا كان قراري بأن أولد مصرية وأعيش مصرية وأموت مصرية ... فأنا بنت هذا الوطن حفيدة الفراعنة بناة الأهرام.

واخيراً أصدقائي على الورق ... نصيحة من القلب ... الصداقة كنز لا يفني ... فلا تسمحوا لها ان تتسرب من بين أيديكم بسبب صراعات مادية او دنيوية .. فالصديق المخلص الذي تشعر معه بأنك لا تحتاج الي أرتداء أقنعة أو ما شابهه، فيشعرك وانت معه وكأنك تحلقان معا في عالمكم والذي تكون اسرارك معه في أيدي أمينة، أصبح الآن عملة نادرة ... فإذا وجدته لا تتردد لحظه عن الغوص في أعماقه والسباحة معه إلي النهاية.

غادة بدر