#فادى_رمزى يكتب: البارسا اسلوب حياة

كتب بواسطة: فادى رمزى في . القسم منوعات

 
كان البارسا مطالبا بان يفوز بحمسة اهداف نظيفة لتعويض خسارته من باريس سان جيرمان فى المباراة الأولى من دورى الأبطال الأوروبى ... مهمة صعبة ان لم تكن مستحيلة ولكن بالعزيمة والإصرار تحقق المحال وفاز البارسا 6/1 على الفريق الفرنسى ... تلك هى المعطيات الكروية للمباراة، ولكن الموضوع كان ابعد بكثير من ان تكون مجرد مباراة كرة قدم مثيرة يفوز فيها الفريق الأكثر استحقاقا ويرتقى للادوار المتقدمة فى المسابقة.

بدأت المباراة وانا وابنى شريف مهيئين نفسيا لتقبل الخسارة، فالمهمة صعبة ولكن انتماءنا البارساوى يحتم علينا المتابعة والتشجيع ولو من باب "سنظل اوفياء" حتى ... علم برشلونة ممدا امامنا وشريف يرتدى فانلة الفريق وانا ارتدى اقرب ما وجدته للبلو جرانا (الوان البارسا باللغة الاسبانية).

تبدأ المباراة ونحن نتحسر فى سرنا على نتيجة المباراة الأولى .. لسه مش مصدقين ان برشلونة تترزع اربعة صفر كده !! ... هوبا .. سواريس احرز هدفاً فى الدقيقة الثالثة من المباراة ... نحتفل قفزا من اماكننا، التوقيت رائع ويدل على ان "حمى البداية" لدى البارسا تم الاعداد لها بطريقة ممتازة ... نازلين "سخنين" وضاغطين وعارفين قيمة الثانية وليس الدقيقة فى مباراة مثل هذه، ومخططين مع مدربهم لركوب المباراة منذ ان يطلق الحكم صفارته اعلانا ببدايتها ... اعداد نفسى وتنظيمى على أعلى مستوى.

انتظرنا توالى الأهداف ... لكن الوقت يمر بدون خطورة حقيقية سوى من تسديدات من بعيد ... الفريق الباريسى متكتل بصورة جيدة ومع الوقت انخفض سقف طموحاتنا ليصل لمجرد احراز هدف ثان فقط فى الشوط الأول وترك الباقى للشوط الثانى.

تاتى الدقيقة 41، الشوط كاد ينتهى ولم نصل الى نصف حصيلة الأهداف المطلوبة للتعادل ... جهد البارسا ملموس ولكن الخطورة ضعيفة ... "لو خلص الشوط كده يبقى خلاص" .. جملة رددناها فى سرنا وخشينا ان نعلنها، فالحقيقة المرة يكون من المفيد احيانا تحجيمها.

تمريرة ضالة بداخل منطقة جزاء الفريق الباريسى، يعدو وراءها انيستا المايسترو الفنان المخضرم من برشلونة، احسن لاعب فى العالم من وجهة نظر الكثيرين لولا وجوده فى نفس زمن ليونيل ميسى و كريستيان رونالدو، يعدو انيستا وراء كرة مدافع الخصم اقرب منه اليها ... بتجرى ليه يا انيستا؟ .. وفر مجهودك دى باصة منيلة مالهاش لازمة ..

انيستا الحمدلله ما يعرفش عربى وماسمعش كلامنا ... خدع المدافع بخبرة السنين وجاء من حيث لا يتوقع ومد قدمه الاخطبوطية واستخلص الكرة وفى ثانية لعبها بكعبه تجاه المرمى ... تمريرة ليس لها اى هدف سوى شرف المحاولة، فاقرب مهاجم لبرشلونة بعيد ولن يلحقها بالتاكيد ... لكن مثابرته ومعافرته ونجاحه فى استخلاص الكرة اربك مدافع باريس سان جيرمان فحاول يطفشها بمنتهى الفزع من هذا الانيستا اللى مش عارف جاله من انهى داهية .. التطفيش الفزاعى ادى الى خطأ فى التقدير مما اسكن الكرة فسيح المرمى ... لنقفز فرحين حتى كدنا نخبط النجفة.

انتهى الشوط ونحن نستعيد حلاوة الهدفين ... حلاوة توقيتهم والمعافرة الرهيبة التى ادت الى احرازهم.

بدا الأمل يلوح ... اه لو لعبت يا زهر ... هدفين فى شوط كامل مش كتير ابدا على البارسا ... يانهار اسود دى ماريا هينزل ... دى ماريا لمن لا يعرفه هو مهاجم خطير جدا فى صفوف باريس سان جيرمان، المدرب قرر ادخاره للنصف الثانى من المباراة، قرار خاطىء بالتأكيد ولكن دى ماريا يستطيع ان يفعل الكثير فى ظل الاندفاع الهجومى للبارسا واللعب بثلاثة مدافعين فقط على طريقة يا صابت يا اتنين عور.

بدا الشوط الثانى .. ضغط بارساوى ... يلا بقى .. الله يا نيمار .. ماتش عمرك يابنى، بعد 5 دقائق وفى الدقيقة 50 المدافع اتزحلق .. ادخل يا نيمار .. ده كعبله يا حكم .. بينالتى ... ايه ؟؟؟ .. الحكم يقول انها ضربة مرمى .. لاااااا مش ناقصه "سيد قراره" دلوقت ... سأل مساعده الحكم الخامس الاقرب للمرمى، قال له باللغة الالمانية ما معناه "بينالتى طبعا انت عبيط ولا ايه؟؟ ده الجمهور ممكن ياكلنا وهيبتدوا بيا انا اللى واقف ورا المرمى" ... واحتسب الحكم البينالتى ... نزل شريف ابنى على الرض رافضا المشاهدة، قولى لما ييجى جون .. قلت له لا هيضيعها عادى يا شريف ميسى بيضيع ولسه فيه وقت نعوض ... اسلوب "تفقير" نلجا اليه كثيرا ... توقع البلاء حتى يعاندنا الحظ، كما هى عادته دوما، فما يحسد البارسا الا احبابها.

ميسى يحرز الهدف الثالث .. الظهور الوحيد له فى المباراة غير كده كان محاصر دايما باربعة لاعبين من الخصم ... جووون يا شريف .. نصطدم بالنجفة مرة اخرى .. وجعت اوى المرة دى .. تلاتة صفر .. جون كمان وقدامنا 40 دقيقة كاملة ... سهل اوى وممكن جدا ... الامل اصبح فى صدارة المشهد، ومع كل هجمه شايفين الامانى الممكنة ... المرة دى ماحدش هيسرق مننا امالنا، المرة دى البارسا هتاخد حقها.

فريق باريس سان جيرمان كثف هجماته، استر يا رب ... عايزين نشوف المرمى التانى ... يا سااااتر كورة فى العارضة اضاعت هدف للفريق الباريسى ... لا وحياة امكم مش ناقصة .. جون ليهم يقلب الماتش تماما .. شريف قال: المشكلة ان الجون التالت جه بدرى اوى فالامل زاد فى اننا نكسب .. لو ما كسبناش هتقهر ... قلت فى سرى: يارب ما تقهرش ابن 17 النهارده، مش لازم نبتدى الكوته بتاعة القهر دلوقت .. ابتديها بعد 5 سنين كده ... يارب ياااااااارب .. يااااا ساااتر .... هدف للفريق الباريسى فى الدقيقة 62 !!!

حسينا ان السقف بالنجفة وقعوا علينا ... حراااام ... خبط وترزيع من شريف على كل حاجة فى متناوله ... احاول منعه فاسعار الجديد منها دلوقت ليست فى متناولى. كان حلم وراح زى احلام كتيرة قبله ... كده لازم تجيب 3 اهداف ... يعنى كنا واقفين على هدف واحد يعادلنا معاهم ويبقى مافيش حد احسن من حد .. دلوقت المهمة بقت مستحيلة والباقى دقائق قليلة.

هاجم البارسا ... بيواجهوا الزمن والتكتل الدفاعى وضرب لاعبى الخصم المستتر ... معنوياتهم تاثرت طبعا ... لكنهم بيحاولوا ... طبعا المخاطرة كان لابد منها، هجوم مستمر من البارسا ودفاع من لاعبين فقط لان مافيش حل غير كده ... دى ماريا انفرد .. الجون التانى خلاص ونقفل التليفزيون بقى .. ليه يا زمان ما سبتناش ابريا ؟؟ ... ولكن بمعافرة يائسة محاولة نجاحها لا تتعدى 1%، نجح مدافع البارسا فى مضايقة دى ماريا فشاط الكورة بره ... حمدنا ربنا لاننا مش عايزين فضيحة تانية ... عايزين جون كمان بس نبقى جبنا فيهم اربعة ونخرج مرفوعى الراس ... شوية.

انفراد اخر ... لكن تيشتاجين الحارس العملاق للبارسا انقذ الكرة بثبات انفعالى رهيب ... الالمان دول مافيش حاجة تهزهم والله ... حرام عليكم بقى .. جون رابع بس لحفظ ماء المناخير حتى .. ماء الوجه كله خلاص نشف من زمان.

الوقت بيمر .. مفيش فايدة خلاص .. الدقيقة 88 ... يعنى ناقص دقيقتين والماتش يخلص والمطلوب 3 اهداف .. فاول للبارسا ... نيمار يدخل وعينيه كلها تصميم وتركيز .. جبت منين يابنى الاعصاب دى؟؟ ... جوووون ... هدف رابع للبارسا .. شوطة عالمية جهنمية ... حرام والله الحرفنة دى كلها ونخرج كده. ما نطيناش طبعا لكن شاورنا للنجفة من بعيد على سبيل المجاملة.

الدقيقة 90 .. خلاص الماتش خلص .. بس كويس برضه اننا جبنا فيهم 4 ... ايه ده؟ ... بينالتى للبارسا !! ... معافرة من سواريز على كرة ضالة برضه خلت المدافع يعرقله ... نيمار داخل ونفس نظرة التركيز والتصميم ... انت اكيد من عالم تانى ... جوووون ... خمسة واحد ... يعنى ناقص جون واحد بس ونكسب ونتاهل.

نزلنا على الأرض لان اعصاب رجلينا مش مستحملة اى نط ... بصينا لبعض .. هل ممكن؟؟ ... 5 دقائق وقت بدل ضائع ... ممكن .. اه ممكن ... لا انت فاكر اللى حصل لنا لما كنا كسبانين 3 ... لقينا نفسنا لا على حامى ولا على بارد .. نصنا كله امل والنص التانى الراسى بيقول بلاش هبل.

عدت الخمس دقائق بسرعة جدا ... لاعبو باريس بيضربوا صرب علنى ... اى حاجة توقف الهجوم الكاسح للبارسا ... تيشتاجن حارس المرمى طلع يهاجم .. خلاص بقى مفيش داعى لحراسة المرمى .. هو مرمى واحد المطلوب اقتحامه ومفيش فى الدنيا غيره.

الدقيقة 95 ... ارفع يا نيمار .. مش وقت ترقيص .. يا ابن اللذينة، الترقيصة دى خلت كل دفاعهم يضرب لخمة ... الرفعة وصلت لسيرجى روبرتو اللى نزل فى الشوط الثانى ... بعيدة عنه شوية .. طار برجله بمعافرة اسطورية .. وصل لها .. دخلها الجوووون .... ياااااه الجون السااااادس .. جووووون ... نطينا خبطنا فى السقف متخطيين النجفة .. وجع طبعا لانه خرسانة مسلحة بس ولا همنا.

انطلق لاعبو البارسا كل فى اتجاه .. رايحين للجمهور وارتموا فى احضانهم ... هم دول اصحاب الكورة بجد .. الكورة ملك الجماهير فعلا ... مالهاش معنى من غيرهم، هم روحها وقلبها والمقياس الحقيقى لمتعتها ... ميسى اللى جه هنا محصن بموكب رسمى راح عادى اترمى على المدرجات ... اعتقد ان عمره ما شاف ماتشات بمدرجات خالية بقرارات امنية ... فاللعبة من قواعدها الاساسية وجود جمهور يصرخ ويهتف منفعلا مع الدراما التى تنقلها لنا تلك اللعبة الجهنمية.

انتهت المباراة بلقطة سينمائية بارعة لوجه مدرب باريس سان جيرمان وهو يتالم حسرة ... لقطة ذكرتنى بال باتشينو فى الجزء الثالث من فيلم "الأب الروحى" حين كان يصرخ متالما بدون صوت على سلالم الأوبرا، وهو يحتضن جثة ابنته الغالية ماريا. مشهد ميلو درامى وسط اجواء فانتازيا مفرحة تالق عباقرة النقل التليفزيونى فى اقتناص تلك اللقطة الانسانية الفريدة من نوعها ليضيفوا جمالا ورونقا ومتعة اضافية على التابلوه الانسانى المقدم طوال تلك المباراة.

كسبنا يا شريف ... كسينا يا بشرررر .. ده مش مجرد ماتش كورة دى رسالة موجهه لكل البشرية. فالمتعة والعمق المستخلصان من تلك المباراة التاريخية، بكل معانى الكلمة، ليست حكرا فقط على عشاق كرة القدم، بل من الممكن ان نعتبر المباراة تجربة حياتية لها ابعاد علمية ونفسية وفنية واجتماعية مذهلة فى عمقها وقوة تأثيرها، وتتساوى فى رايى مع ما يمكن ان تستخلصه من كتاب قيم او ندوة رفيعة المستوى او عمل فنى هادف بدون ادنى مبالغة.

مبدئيا اى متابع بارساوى لمباريات البارسا السابقة سيرى كيف ان لويس انريكى مدرب البارسا قد اختبر طريقة اللعب التى ينتوى اللعب بها فى تلك المباراة المصيرية وذلك فى مباريات البارسا التى جاءت بعد المباراة الأولى "الفضيحة" التى خسروها امام باريس سان جيرمان باربعة اهداف للاشىء ... كمثال هو اعطى مهاماً هجومية للمدافع سيرجي روبورتو وجعله يلعب حرا فى نصف ملعب الخصم فى اكثر من مباراة، وذلك تمهيدا للدور الذى لعبه فى الشوط الثانى من المباراة التاريخية الملحمية، وعن طريقه احرز الهدف السادس وهو هدف الفوز الفجائى الغالى والذى فجر كل الدروس المستفادة من تلك المباراة.

العلم والتخطيط والاستعداد النفسى والبدنى والفنى ..

العزيمة والاصرار وقوة الارادة ..

المثابرة والتمسك بالأمل لاخر لحظة ..

الاحتراف فى التعامل مع كل التحديات ..

ماتش البارسا كان فيه متعة واثارة وتشويق وكوميديا ودراما ودروس كتيرة اوى مستفادة ... اهمها انك تفضل تعافر مهما كانت التحديات صعبة ... يا هتوصل وتنجح يا تموت وانت محترم وراضى عن نفسك وكمان الكل يحترمك.

البارسا فى تلك المباراة كان اسلوب حياة وليس مجرد فريق كرة قدم ... دفعة معنوية كبيرة جدا قدمها لكل ضعيف خامل حتى يقوى وينشط ولكل محبط من كم التحديات والصعوبات حتى يتمسك اكثر بحلمه ويستمتع برحلة السعى نحو تحقيقه، وهو أكثر تمسكا بارقى ما فى انسانيته.

فادى رمزى