#نبيل_النجار يكتب: فإذا خفتى عليه فألقيه فى اليم

كتب بواسطة: نبيل النجار في . القسم منوعات



لاحت فى الأفق تلك الكلمات فإنحنى لها قلبى ووجدانى ، يالها من عظمة ترفعت فى تلك المعانى لتحمل نبعا من الحب والخوف وتنتهى بالثقة بالله فترخى الرحمة بصبر جميل على هذا القلب المشبع بالحنين والإشتياق.

هو قلب انحنى له العالم تقديرا وإجلالا لجوهره النقى الذى لا تشيخ روحه مهما كبر الزمان ، كم توددت أن أعود طفلا كى أعيش بروحك يا أمى، وأتذكر فيضا من الحنان أعطيتنيه فإحتوى ما بقى من شتات عقل تاه فى قلب الحياه وبين قسوة البشر ، حينها تذكرت آيات من وحى القرآن الجليل تدعو إلى التأمل فى عظمة الله " فإذا خفتى عليه فألقية فى اليم "..

لكننى كنت أتعجب كيف لأم أن تلقى بفلذة كبدها فى مياه النيل ، فتذكرت معها رحمة الله الواسعة التى شملت الأرض ولم تنقص من مقدارها عند الله شئ ، حينها أراد الله أن ينجى نبيه موسى عليه السلام من بطش فرعون ببنى إسرائيل فكان يقتل الذكور منهم فخافت عليه أمه وأمرها الله أن تلقية فى اليم ، وهى واثقة من رحمة الله تلقى بإبنها فى غيابات النهر فكثيرا ما أحبته لكنها تحب الله أكثر وتعلم أنه يخاف عليه أكثر منها.

كم هى عظيمة تلك الأم لما لها من ثقة جعلتها حولت خوفها على إبنها إلى إطمئنان وهو فى معينة الله بدافع خوف آخر عليه من بطش فرعون، لكننا لا ندرك حجم هذه المشاعر ونتعجب من تلك القيود حينما نرى من تصرفات آبائنا ما يخالف أهوائنا فلم نكن نعرف ما يحمله قلبهم الكبير ويترجمه عقلهم الصغير من حب وحنان، جعلهم يندفعون بما أوتوا من أجل أن يحققوا لنا ما تمنيناه، وقد يرسموا طريقهم ويحفرون المسارات كى نمر عليها ولو على أكتافهم ، ولكننا لدينا عقلنا الخاص وعالمنا الموازى الذى يختلف كثيرا عنهم.

و فى النهاية نعود إلى نقطة نشأتنا الأولى فمهما كبرنا وتغيرت أفكارنا لا نستطيع أن ننكر فضل آبائنا وأمهاتنا علينا وكيف أنهم كانوا سببا بعد الله فى ميلادنا على هذه الأرض الطيبة ، يفيض هرمونا من السعاده فينا منذ لحظة ميلادنا، ويرتبط قلب أمنا فيه فيعقد على أن يمتلكه كقطعة من الجسد التى لا يفرقها سوى الموت.

وبعد أن نكبر نريد أن نسلك طريقنا بأنفسنا ونتناسى أن حبات العقد ستنفرط !ولكن لما نصل إلى هذه الدرجه ، إننا لا ندرك جيدا قوة عقلنا وشبابه ولا نعى أن العقل يشيخ ويتضائل التفكير فلم تعد تلك هى الأم التى تعودنا أن تلهو معنا دائما وتمتزج روحها بروحنا ولم نعد نجد من يشاركنا أحلامنا وآمالنا ، لكننا نتناسى أنها ظلت ترعانا وتعطينا من جمالها ورونقها جمالا وجازبية وسحر إنطفأ فيه نورها ولكن قلبها لا يزال يمهد لنا الطريق ويرسم لنا سبل النجاح ويبقى هو السكن عندما نتيه فى أهوال الحياة.

نأخذ منها الحياه ثم نسأل أين هى ، أين حياتها ، شبابها ، طاقتها ، رونقها وجمالها وسحرها الذى تلألأ فى ضوء النهار وأضاء عتمة الليل !

هى لازالت أما ونحن ما زلنا صغارا ، حينها تذكرت كلمات لقصة أثارت على مسامعى شوق وحنين لحديث بين أم وإبن " يتذكر حين أمسكت بيده تعلمه كيف يمسك بالقلم ، يتذكر رسمها لأحرف الهجاء على شكل نقاط ، ثم تدفعه أن يجرى بقلمة فوقها تعلمه الكتابة ..

يذكر تقبيلها له يذكر كل شئ فهى كل شئ ملكة حياته وسيدة زمانه ..

مضت سنوات وسنوات شغلته فيها ، أحب، تذوج ، أنجب، حزن لموت صديق له ، كبر أبناؤة ، حقق أحلاما له ، ولا تزال هناك أحلام أخرى يسعى إليها ، فى تلك الليله زار والدته وإذا بها تبادره قائلة: أعطيت الخادمة أربعة قروش ، يرد عليها تقصدين أربعة جنيهات ، مرت لحظة من الصمت والأم تنظر إليه بدهشه ..

لم يكن يدرك أن أمه لم تعد هى نفس الأم التى تعود عليها ، لم تعد تلك الشابه اليافعه ، أسرعت الحياه به ولم يتنبه لآثار الزمن ... بل لم يع أن الزمن قد ترك أثره عليه هو نفسه.

مرت لحظة صمت طويله كسر وجهه إنكسارة لم يكن يعلم كيف يجيب وماذا يفعل ؟؟
يبحث فى أرجاء البيت فى هدوء ..

الأم: ماذا تفعل ؟
الإبن : أبحث عن ورقة وقلم ؟

أخذ يكتب أرقاما الآحاد ، العشرات ، المئات ..

جلس بجانبها يعلمها أساليب الحساب لا يريد أن تبدو عليه أى علامه من علامات الإرتباك ، جلس بجانبها كجلسة كانت هى فيها المعلمه وكانت عيناها تمتلآن بدموع فرح ..
واليوم تمتلئ عيناه هو بدموع رحمه .

نبيل النجار