#أحمد_ماهر يكتب: حوار مع الله (2)

كتب بواسطة: أحمد ماهر في . القسم ادب

 

 راجع الجزء الأول

ترتفع روح محمد الى السماء وهو يرى جسده ملقى على الأرض .. يرى بكاء والدته وهي تجمع أشلائه .. يراقب دمائه وهي ترسم لوناً جديداً يكسوا أرض الكعبة ..

ينظر الى الكعبة في ابتسامه ساخره .. تغيب عن الأنظار وسط زحام المتدافعين !!!... لا يشعر بجسده رغم بشاعة المنظر .. فقط يشعر بألم شديد لحزن والدته وبكائها وكأنه يريد أن يسقط من السماء ... لكنه يصعد بسرعه كبيرة وكأن السماء هي موطنه ...

ينظر من حوله ليرى ما يدفعه الى أعلى .. فيرى ملاكاً يمسك به من ذراعه الأيمن وأخر يمسك بذراعه الأيسر ويصعدون به حتى أصبحت السماء من حوله بيضاء اللون .. مليئة بملائكة تحمل أطفالاً كثر مثله ويصعدون جميعهم إلى أعلى ..

يصلوا جميعاً إلى أرض من الذهب .. يضع الملائكة الأطفال على أرض الذهب ويرحلوا، ثم تأتي ملائكة جدد ليقوموا بنزع الدماء عن أوجه الأطفال المصابين .. وإذا كان أحدهم فقد أحد أطرافه يضعون له طرفاً جديداً وكأنهم يخلقوا من جديد، ثم يجعلوهم جميعا في سن الشباب .. لكن رغم ذلك كان الغضب على وجه الأطفال ..

فجأه سمعوا صوت قوي ... عرفوا انه"حارس الجنة" الذى صاح قائلا: الآن يا شباب الجنة .. توجهوا إلى مكانكم الأبدي من خلال هذا الباب .. إذهبوا إلى الجنة.

يقف شاب والغضب يملأه ويقترب في اتجاه حارس الجنة .. ثم ينظر اليه ويقول ..

يوسف : لن أذهب إلى الجنة
حارس الجنة : هل يرفض أحد الذهاب إلى الجنة ؟؟
يوسف : أنا لا أرفضها .. أنا فقط أريد أن أعرف
حارس الجنة : هذا ليس وقت الأسئلة وليس مكانها ... فلتذهب الآن مع إخوتك في الجنة واترك تلك الأسئلة الآن
يوسف : لن أذهب إلى الجنة .. وإذا كنت غير مخول أن تجيبني فلتأخذني إلى من يستطيع أن يجيبني

حارس الجنة : هذه بداية سيئة لك معنا .. فأنا أنفذ تعليمات الأله بأن أكون لطيفاً معكم .. فنحن نعلم كيف جئتم لذلك تدخلون إلى الجنة مباشرة دون حساب .. فاشكر الله وسر مع إخوتك دون حديث لن يفيد.

يلاحظ الحارس أن الغضب يعم الجميع .. يرفضوا أن يغادروا أماكنهم وكأنهم متضامنين مع يوسف دون أن يعرفوه أو يتحدثوا معه.

محمد : أنا أيضا لن أتحرك .. أريد نفس الشيء ... اريد أن أعرف
حارس الجنة : في هذه الحالة سأغادر وأتتركم هنا .. من يرغب في الدخول فالباب أمامه ولكن يجب أن تعلموا أن أمامكم وقت قصير لتحددوا قبل أن أعود .. فعند عودتي سيغلق باب الجنة وحينها لا تلوموا سوا أنفسكم.

يغادر حارس الجنة ويرحل ويسير خلفه عدداً كبيراً من الملائكة تاركين أرض الذهب التى يقف فيها الشباب بأجسادهم .. ينظرون إلى بعضهم البعض ويفكرون بعقول الأطفال التي ماتوا عليها .. يحاولون إدراك ما يحدث.

يوسف "يتقدم وينظر لهم": أنا إسمي يوسف من العراق .. قتلت في قذف صاروخي على منزلنا وقد مات والدي معي .. ولا أراه هنا.
محمد : إسمي محمد من السعودية .. قتلت بعد أن سقطت فوق جسدي رافعة بناء في الحرم المكي .. وتركت والدتي وحيدة.
صوفيا : إسمي صوفيا من ألمانيا .. توفيت بعد أن فشلوا في علاجي من مرض السرطان
مارينا : إسمي مارينا من مصر .. قتلت في هجوم مسلح على كنيستنا.
علي : إسمي على من ليبيا .. قتلت برصاص جماعات مسلحه لأن عائلتي رفضت الإنضمام إليهم .. ولا أرى منهم سوى أختى منى معي هنا.

يتقدم الشباب واحدا تلو الآخر ويقوم كل شخص بتعريف نفسه وسبب موته في مشهد منظم وكأنهم أصدقاء منذ زمن.

يوسف : الآن بعد أن استمعنا جميعا إلى بعض .. أود أن أخبركم أنني غاضب وبشده مما حدث معي ولن أدخل الجنة إلا بعد أن يجيبني أحد عن ما يدور بداخلي.
محمد : وماذا يدور بداخلك ؟؟
يوسف : لماذا خلقنا الله من الأساس إذا كنا سنموت سريعا هكذا دون أي ذنب ؟؟ لماذا خلقني الله وخلق معي الحرب لتقتلني ... لماذا خلق المرض لتموت صوفيا في عمرها الصغير .. لماذا جعلك تترك أمك وحيده .. لماذا خلق الإرهاب ليأتي إلينا الآن علي وأخته ومارينا ؟؟ لماذا يحدث لنا كل هذا ؟؟
محمد : لماذا تعلقنا بأقاربنا .. وكلما تعلقنا بشخص منهم مات .. وكلما تعلقوا بنا لحقنا الموت في ذلك الوقت الذي يحتاجون إلينا فيه ؟؟

منى : أتفق معكم في كل ما تقولون ولدي نفس الأسئلة مثلكم .. وأعتقد أن على يتفق معنا
على : نعم .. اتفق معكم ولكن يجب أن نعلم أن ما نقدم عليه شديد الخطورة .. وخطورته في أننا لا نعلم ما سوف يلحق بنا .. المجهول.
يوسف : لقد متنا وغادرنا عالمنا وتركنا من نحب خلفنا يحزنون .. لا يوجد ما نخشى منه فهذا أسوأ ما ينتظرنا .. ما رأيك يا صوفيا؟ .. لم نسمع رأيك أنت ومارينا؟
صوفيا : من شاهد الألم الذي رأيته لسنوات كثيره من مرضي .. سيعلم جيدا أن الخوف بداخلي قد مات منذ زمن .. لذلك فالغضب الذي اشعر به لن يشعر به أحد .. أنا لن أذهب إلى أي مكان دون أن أتحدث مع المتسبب في كل ذلك
مارينا "تقترب من صوفيا وتحتضنها وتبكي": أنا سأكون معك ولن أتركك .. أنا أوافق على كل ما تقولوا ولا أخشى شيئاً.

يوسف : حسنا .. فلنبقى هنا جميعا ولننتظر عودة الحارس لنخبره بما وصلنا له

بعد مرور بعض الوقت وأثناء جلوس الشباب في أرض الذهب يأتي إليهم صوت عودة الملائكة، في إشارة إلى حضور حارس الجنة من جديد .. يقفوا جميعا بجانب بعضهم البعض وكأنهم في إنتظاره ليتحدثوا معه مرة أخرى.

حارس الجنة "يقف في مكانه وينظر إليهم ثم يقول": أرى إنكم لاترغبون في الدخول إلى الجنة !
محمد : لقد أخبرناك أننا نريد أن نعلم قبل أن ندخل إلى الجنة
حارس الجنة : ماذا تريد أن تعلم ؟؟
محمد : نريد أن نعلم لماذا حدث هذا معنا ؟؟ لماذا شعرنا بالألم .. لماذا فارقنا أحبتنا .. لماذا خلقت معنا الحرب ليخطفنا من حياتنا قبل أن تبدأ
حارس الجنة : إذا فلنغلق باب الجنة وانتظروا أن تأتيكم الإجابة .. ولكن مصيركم قد تغير وستكون النار في انتظاركم

ينظر حارس الجنة إلى أربع ملائكة يقفوا عند باب الجنة ويأمرهم بصوت ضخم : أغلقوا هذا الباب الآن .. وخذوا الجنة بعيدا وارحلوا .. فالإله سيتحدث إليهم الآن ليحدد مصيرهم.

يغلق الباب الضخم وتبدأ الملائكة في السير بعيدا ويختفي معها الباب الضخم وتزداد الساحه اتساعا، ثم يرحل حارس الجنة .. وفجأه يحدثهم صوت لم يعلموا مكانه بعد.

الإله : من منكم يريد أن يتحدث أولا ؟؟
يوسف "يحاول أن يتماسك ويقتل تلك الرهبه بداخله .. ينظر إلى أعلى ثم يقول": أنا أريد أن أسأل
الإله : تفضل .. ماذا تريد ؟؟
يوسف : لماذا خلقتني في العراق وسط الحرب .. لماذا تركت الموت ينال مني ويسحقني أنا وعائلتي ؟؟
الإله : هل هذا ما يشغلك ؟؟
يوسف : حياتي بسيطه ولم أرى بداخلها سوى الحرب والموت لذلك سألت عن ما حدث معي
الإله : الحرب من صنع البشر .. وقد أنقذتك منها وأتيت بك في الجنة التي رفضتها

صوفيا : وهل المرض من صنع البشر ؟؟ وهل الألم الذي شعرت به والحزن الذي كان يضرب عائلتي لشعورهم بالعجز من صنع البشر ؟؟
الإله : أرى أنكم تتجاوزون في حديثكم معي ولا تعلموا أنكم تتحدثون مع الإله
محمد : الإله الذي كنت أتحدث معه وأدعوه في بيته ؟؟ الإله الذي قتل مارينا وهي تصلي له ؟؟

الإله "بغضب": الموت أنا فقط من أحدده .. أنا من يحدد من سيموت وكيف يموت ومتى يموت هذا لا يعنيكم.

على : بل يعنينا لأننا من يعاني من كل ماحدث ... لقد خلقنا في حياه لنرى بداخلها الموت والقتل والكره والحرب .. والآن تخبرنا أن الأمر لا يعنينا ؟؟!!!
الإله : أنا سأجعلكم تندمون على ما تقولوا وعلى ترككم للجنه ... "بصوت ضخم" يا حارس النار فلتأتي إلى الساحه بالنار فلدينا ضيوف جدد.

تبدأ عاصفة من الأتربة يحاولون معاها أن يحموا عيونهم منها، يلاحظوا أن الأرض تتبدل فجأة إلى اللون الأسود وترتفع الحرارة كثيرا ثم يحدث زلزال عنيف يظهر في الأفق منه باب ضخم وملائكة كثيرون يتوسطهم ملاك ضخم يملأه الغضب .. فيصابوا برعب ولكن على يصرخ فيهم تماسكوا .. تماسكوا"

الإله : الآن ستعلمون أن مصيركم أنتم فقط من تحددوه .. الآن ستذهبون إلى الجحيم عقابا لكم على ما فعلتموه.

محمد : حسنا ... ونحن لا نخشى الجحيم ولكن مادمت ستعذبنا فافعل لنا شيئاً أخيراً.
الإله : أنت لا تأمرني .. أنا أفعل ما أشاء.
محمد : هذا أخر طلب لنا قبل أن نذهب إلى النار
الإله : ماذا تريد ؟؟

محمد : أعدنا إلى صورتنا التي متنا عليها .. نريد أن ندخل النار أطفالاً مبتورين وننزف الدماء مثلما متنا

الإله : حسنا لكم ما تريدون

يبدأ كل شخص منهم يعود إلى طبيعته التي مات عليها .. يبدأ قلب يوسف ينزف من جديد وطرفيه قد فقدا من القصف .. ويبدأ محمد في النظر إلى جسده المحطم من سقوط الرافعه .. تتساقط شعرات صوفيا من جديد وتظهر وكأنها وردة تذبل من جديد .. ويتحول كل الأفراد إلى صورتهم التي ماتوا عليها من جديد، فتحولت الساحه إلى أطفال مقتولين وينزفون ويبكون ويصرخون من شدة الألم.

محمد "بصوت مرتفع": هيا إلى النار يا أطفال الأرض .. فلنذهب إلى عقابنا الذي ينتظرنا
يوسف : أشتم رائحة البارود بداخلي .. وكأن النار التي أصابتني قد التهمتني من الداخل
مارينا : لا أستطيع التحرك .. أشعر بأجزائي تتطاير بعيدا عني

يتحركون بصعوبة وينظر اليهم ملاك النار وكأنه لا يصدق ما يرى .. أطفالاً يموتون بأبشع الصور ليدخلوا الآن إلى النار ليعذبوا من جديد .. ألم يكفي أنهم تعذبوا في حياتهم .. يتحدث مع نفسه ويقطع هذا الحديث صوت بكاء فينظر له فيرى ملاك من ملائكة النار يبكي من قسوة المشهد.

حارس النار : ماذا تفعل
الملاك : لا أستطيع أن أتحمل ذلك المشهد يا سيدي
حارس النار : ولكن بكائك أمر غير وارد هنا .. لقد خلقنا لتنفيذ أوامر الاله دون أن يكون لنا أي مشاعر نراجع بها القرار
الملاك : هذا أمر خارج عن ارادتي .. " يزداد بكائه ويزداد صوت بكاء العديد من الملائكة .. حتى حارس النار يغالب دموعه"

حارس النار : فلتصمت اذا
الملاك : سيدي أتوسل إليك فلنفعل اي شيء لهم .. يجب أن نساعدهم أنا لا أستطيع أن أدخلهم النار .. فمنذ أن خلقنا لم يدخل طفل إلى النار ما بالك بأطفال قد ماتوا بهذا الشكل
حارس النار : ماذا تريدني أن أفعل ؟؟
الملاك : لا أعرف ولكني لن اصمت كثيرا أمام هذه القسوة
حارس النار "بغضب": أجننت ؟؟؟ أتصف الإله بالقاسي ؟؟

الملاك "يلقي بالأطواق الحديدية التي يجر منها النار في الأرض": انتظروا يا أطفال الأرض فلن يدخل أحد النار
حارس النار : أجننت ؟؟؟ ماذا تفعل ؟؟؟
الملاك : لن يدخل أحد من هؤلاء الأطفال إلى النار .. وإن كان الأمر لا رجعه فيه سأدخل معهم

"يقترب الملاك من الأطفال ثم يفرد جناحيه لأقصى درجه من حولهم وكأنه يريد أن يضمهم جميعا بداخله ويحميهم من مصيرهم .. ثم يتقدم منهم ملاك أخر ويقوم بنفس الفعل .. وتتوالى الملائكة ويبتعدوا عن النار ويتركوها وحدها .. يلتفوا بأجنحتهم حول الأطفال"

حارس الجنة "يصرخ بشدة": ماذا تفعلون ؟؟ .. عودوا إلى أماكنكم

الإله : ماذا يحدث هنا ؟؟؟ هل تتحدوني ؟؟

حارس النار : لا يا سيدي .. هي فقط عاطفة وسأعالج الأمور

يوسف : هذه ليست عاطفه .. هذه تساؤلات مهمة .. لماذا سنعذب بعد أن سألنا عن اسباب موتنا بهذا الشكل ؟؟
الملاك : لن يدخل طفل النار .. وإن كان هذا القرار نهائي فسنكون بداخل النار قبل الأطفال

الإله : إذا فلتذهبوا إلى الجحيم الآن .. يا حارس النار افتح أبواب الجحيم جميعها "يقولها بصوت غاضب"

تفتح النار أبوابها ويظهر لهيبها الحارق فيصطف الملائكة أمام الأطفال حتى لا يصابوا بأذى وفجأة تظهر في الأفق آلاف الملائكة وكأن ملائكة السماء قد تركوها وتجمعوا هنا في هذه الساحه .. يتقدمهم حارس الجنة"

حارس الجنة : لن يذهب أحد من الأطفال إلى النار .. ولن يذهب أحد من الملائكة الى النار

الإله : من الذي يتحدث ؟؟؟ أنسيت من تكون ؟؟

حارس الجنة : لم أنس .. ولكن لن استطيع أن أرى عذاب الأطفال في جهنم بعدما رأوا في دنياهم
الإله : إذا سأنهي حياتكم جميعا وأخلق ملائكة أفضل منكم وسأعذبكم مع الأطفال بعد موتكم في جهنم
حارس الجنة : تستطيع أن تفعل ذلك ولكن نحن لن نترك الأطفال يعذبوا

فجأه يحدث زلزال عنيف وينضم ملائكة العرش يتقدمهم كبير الملائكة لصفوف الأطفال وملائكة الرافضين لأوامر الإله"

كبير الملائكة : الآن إقبض روحنا معهم وقم بتعذيبنا ايضا .. فنحن لن نصمت على عذاب الأطفال
الإله : إذا فأنتم ستلحقون بالشيطان .. ستلعنون في كل وقت وستصلوا إلى قاع الجحيم

كبير الملائكة "يصرخ في الحضور": قفوا في صفوف واحموا الأطفال .. واتركوا الساحه للإله وحارس النار .. والحقوا بي الى الجنة

الإله : أتتحداني ؟؟؟ فلتمت إذا "يسقط كبير الملائكة"

منى : "تجري الى الملاك الساقط" سيدي إنهض يا سيدي .. إنهض لا تمت
صوفيا "تصرخ في الحضور": يا أطفال الأرض يا ملائكة السماء .. ثوروا على الإله .. حتى ولو كان الموت والعذاب في انتظارنا.
حارس الجنة : يا ملائكة السماء .. تعالوا معي في هذا الإتجاه .. فاليوم يوم الخلاص

"يرتبك المشهد وتتحول الساحه إلى ساحة ثورة حقيقية .. الملائكة تتساقط والموت يصيبها .. والأطفال تحتمي بهم والإله يفقد السيطرة"

أحمد ماهر