#أحمد_ماهر يكتب: الطوفان

كتب بواسطة: أحمد ماهر في . القسم منوعات

 

أمطار شديدة وفيضانات تخرج بالمياة من كل مكان .. وكأن كل سحب العالم قد تكونت في هذه البقعة من الأرض .. يهرول أهل القرية ليحتموا في بيوتهم .. لديهم شك في أن تصمد كثيرا أمام تلك الأمطار والفيضانات .. يفكرون كيف ينقذوا نسائهم وأطفالهم وعجائزهم وحيواناتهم .. كل شيء يدور في عقلهم ..

يتسائلون في صمت .. هل كان نوح محقاً ؟؟ هل هذه بدايات العذاب التي وعدنا بها نوح ؟؟ الاف الأسئلة تطرح ولكن لا صوت يعلو فوق صوت تدفق المياة من كل صوب .. حتى أصبحت القرية وكأنها خاليه من البشر .. لا توجد حركة سوى نوح وهو يكمل مع أبنائه الأربعة بناء السفينة .. يدخلوا فيها المؤمنين وذكر وأنثى لكل حيوان ونباتات مختلفه حتى يعيدوا الحياة مرة أخرى بعد هذا الطوفان العظيم إلى الأرض من جديد

نوح : إستمروا يا أبنائي .. فقد إقترب الوقت
سام : لقد اقتربنا يا والدي من الإنتهاء ولكن المطر يشتد علينا
نوح : لا تخشوا المياة فعذاب الله لن يمس المؤمنين
حام : أبي .. لقد إنتهيت من وضع الحيوانات والطيور داخل السفينة
نوح : واين يافث و كنعان ؟
حام : يافث ينتهي من تخزين الأشجار والنباتات وكنعان في الأعلى يخرج المياه التي على السطح لأن المياه تشتد على المؤمنين هناك
نوح : حسنا يا أبنائي .. فلتستعدوا للمغادرة .. إصعدوا الآن واغلقوا كل الأبواب خلفكم وتأكدوا أننا نفعل ما أمرنا الله به
سام : حسنا يا والدي سأنبه على الجميع أن يأخذ موقعه.

تزداد المياة ويصعد نوح وأبنائه والمؤمنين معهم وينتظروا أمر ربهم والخوف يتسلل الى قلوبهم من رعب المشهد، ولكن نوح يدعو الله ويطمئنهم بأن الله معهم .. وفجأة تبدأ السفينة في الإهتزاز والميل في اتجاهاتها المختلفة، في إشارة لرفع السفينة وتحركها بعد أن تحولت الصحراء إلى بحر عظيم من كثرة المياة.

نوح : تمسكوا .. تشبثوا في الحبال .. فالسفينة بدأت تتحرك
كنعان : إجذبوا معي هذا الحبل لندفع السفينة في ذلك الإتجاه
يافث : حسنا أنا أمسك معك .. تماسك فقد بدأت السفينة في سلك الإتجاه الصحيح

تزداد دعوات المؤمنين داخل السفينة وتبدأ السفينة في الإبحار، وكأن القرية اليابسة أصبحت جزيرة تتلاشى أمام المياة المندفعة، فيخرج نساء القرية ورجالها على الجانب الأخر يحاولون أن يصعدوا إلى الجبال لكن المياة أسرع منهم ..

بدأت النساء تودع أطفالها .. تختلط مياة الفيضان بدموع الأطفال .. ببكاء الرجال والعجائز على مفارقة أسرهم .. يقفوا والعجز يقتلهم أمام غرق الضعفاء والأطفال .. وكأن ما يحدث يمر في الف عام رغم أن المشهد لحظات وفقط ولكن المشاهد لا تخبرنا بذلك .. فهناك رجل لا يمتلك سوى ذلك الكلب يسقط غرقا بين الأمواج والكلب يمسك به يجذبه باحثا عن رقعة من اليابسة لينقذه .. لا يفكر الكلب كيف ينقذ نفسه .. ولا يدرك أن صديقه الوحيد قد مات ..

مشهد أخر لإمرأة تحمل طفلها ويظهر عليها أنها في شهورها الأخيرة قبل أن تلد طفلاً جديداً .. ترفع طفلها بيديها بكل قوتها .. تحاول أن تكون أعلى من المياة .. لكن قوتها تنتهي وينتهي معها بكاء طفلها.

نوح : لماذا تقف هنا يا كنعان ؟؟؟
كنعان : "يبكي" أنظر يا ابي إلى أهل قريتنا .. أنظر إلى جيراننا وأهلنا .. لقد تحول البحر إلى وحش يبتلع النساء والأطفال دون رحمة
نوح : لقد دعوتهم لعبادة الله طوال هذه الأعوام ولكنهم رفضوا أن ينصتوا إلى صوت الله
كنعان : إذا كان الله يريدهم أن يكونوا على ديننا لماذا لم يخلقهم على ديننا ؟ ماذنب الأطفال والعجائز والحيوانات يا والدي ؟؟ أكفرت بك الحيوانات أيضا ليموتوا غرقا ؟؟؟
نوح : هذه مشيئة الله .. نحن نفعل ما يأمرنا به ولا نناقشه في إرادته
كنعان : ولكنك نبي الله .. لقد إختارك أن تكون حامل رسالته .. فيجب أن تحمل إليه ما ترى .. فصرخات الأطفال تقتلني
سام : "بغضب" ماذا تقول أنت ؟؟؟ أتشفق على من كفروا بالله وبأبيك ؟؟ أنسيت كيف كانوا يسخروا منا ؟؟
كنعان : لم انسى .. ولكني أيضا أتذكر كيف كنا نعيش معهم وكيف أن كفرهم لم يؤذنا في شيء
سام : إذا كنت تريدهم فلتذهب إليهم
نوح : أصمت يا سام ... لا أريد أن استمع إلى أحد .. إذهبوا واستغفروا ربكم ورددوا الدعاء مع إخوانكم المؤمنين بالداخل
كنعان : لن أذهب إل الداخل .. سأذهب لأخبر الله بما ترفض أنت أن تخبره به
نوح : إلى أين ستذهب ؟؟
كنعان : سأذهب إلى قمة هذا الجبل الذي يظهر هناك .. سأذهب إلى أعلى نقطه به .. سأجعل المياه تحملني إلى هناك لأكون في أقرب نقطة إلى السماء "وفجأه يقفز كنعان عن السفينة"
نوح : عد إلى هنا .. عد إلى هنا سيلحقق عذاب الله "يصرخ في ولده ليعود إلى عقله"
كنعان : إبقى أنت هنا وساذهب لأنقذ ما أستطيع إنقاذه

تغمر المياة كل شيء .. الظلام يحيط بالجميع .. يبدأ صوت الصراخ في الإنخفاض لكنه لم ينته بعد، وهذا دليل على أن هناك أحياء لم يموتوا بعد .. وهذا كان يدفع كنعان للإستمرار في ضرب الأمواج حتى يصل إلى الجبل ويبدأ في الصعود إلى قمته .. ثم يقع على ركبتيه والأمطار تضرب أنحاء جسده فيصرخ مخاطبا الله.

كنعان : يا الله .. يا الله .. انقذنا مما يحدث .. لقد قتلت المياة أطفال قريتنا .. لقد أغرقت كل شيء .. حتى الحيوانات التي أخبرنا أبي ونبيك أنها تسبح لك في كل وقت ماتت غرقا يا الله .. لماذا كل هذا الألم ؟؟ لماذا كل هذا القتل ؟؟ ألأنهم قرروا الا يؤمنوا بك ؟؟ وما الضرر في ذلك ؟؟
لماذا لم تنتظهر بعد الموت فتدخلهم إلى النار وتعذبهم كما تشاء ؟؟ لماذا قررت أن تعذبهم في الدنيا ؟؟ لماذا إما عبادتك وإما الموت ؟؟ إما عبادتك وإما العذاب ؟؟ أليس الدين والإيمان قرار يخصنا نحن البشر ؟؟ لماذا تمنحنا الإختيار ثم تعاقبنا عليه بهذه الصورة البشعه .. لقد كفرت بك مثلهم .. إني أكفر بذلك الدين .. حتى أنني أكفر بابي وبأنه نبي .. فلتقتلني إذا .. فلتلحقني بهؤلاء الأطفال والعجائز فهم أنقى من أن أعيش بدونهم.

فجأة تضرب صاعقة قمة الجبل .. يسقط كنعان في المياه دون حراك .. لقد مات .. ومات معه أخر أمل كانت تأمله تلك الأسرة التي إقتربت من الجبل قبل أن تغرق بالكامل فقد مات وماتوا هم حوله .. تناثرت الجثث وأصبح الموت هو اليقين الباقي على تلك الأرض.

فجأة تتوقف الأمطار وتبدأ المياة في الإختفاء داخل الأرض، وكأنها تبتلع تلك المياه وتعيدها إلى مكانها الطبيعي من جديد .. وتبقى الجثث في كل مكان .. تتشابك أيديهم وأقدامهم .. وكأنهم قد قرروا أن يتحدوا الموت .. ويبقوا معا للأبد .. حتى الموت.

احمد ماهر