#غادة_بدر تكتب: أسكن بيوت الحزن يمكن

كتب بواسطة: غادة بدر في . القسم منوعات

 

 

اسكن بيوت الفرح آه ممكن
اسكن بيوت الحزن لا يمكن
ومستحيل يا حزن راح تسكن
قدر الزمان يفهمنا آه يمكن

ميزو شاب وسيم يمتاز بخفة الدم وروح المداعبة.... يدخل قلبك من الوهلة الأولى ... حتى ان والدته ميزته عن اخوته فكان هو طفلها المدلل ... لقب بدلوعة الغالية، فلم تكن والدته قادرة على رفض أي طلب من طلباته، فطلبات ميزو دائما ما تكون بمثابة اوامر لها ... ويكفي لها أن ترى أبتسامته الساحرة لتخر صاغرة له.

وعلى النقيض كان والده يميل إلي الجد والحزم والصرامة، الرافض لمعظم شطحاته ...

ميزو لم يكن به طاقة على الاستذكار والتركيز لفترات طويلة، لذا كثرت المشاكل والمشاحنات بينه وبين والده ... فميزو له منظوره الخاص في هذه الحياة، فهو يراها اقصر من ان نهدرها ونضيعها فيما لا يبهجنا ويدخل السرور الي قلوبنا. وقطعا الكتب والمناهج المدرسية العتيقة لم تكن يوما من ألوان الحياة المبهجة التي تدخل السعادة والسرور الي قلب ميزو. و

لكن لأجلها هي .. امه الغالية ... استذكر دروسه ونجح قي الثانوية العامة، ولكنه لم يحقق النجاح المبهر الذي كان ينتظره اباه حتى يكمل ميزو مسيرته المهنية .. فمجموع ميزو لم يسمح له سوى بدخول جامعة خاصة، وهكذا أصبح ميزو طالبآ بكلية إدارة الأعمال بجامعة أكتوبر للعلوم الحديثة والأداب ... وهكذا ضاع المستقبل الذي حلم به الدكتور معتز والده.

على الرغم من ذلك لم ترد الغالية أن تكسر بخاطره، ففرحت وأحتفت به كثيرا ، فهي دومآ كانت فخوره به وتدعمه في كل خطواته، حتى ان كانت خطوات على قياسه هو. ولم يقتصر دعمها له على كلمات تشجيعية واحضان وقبلات، لكنها نجحت ايضا في اقناع والده ان اصابع اليد ليست كبعضها، وكل واحد من اولاده له مميزاته الخاصة به .. فرضا عنه والده ايضا ... وهكذا هنأت الحياة وابتسمت لميزو.

تمر سنوات الدراسة بسرعة ويصل إلي السنة الثالثة، وفجاءة تتغير حياة محمد 180 درجة ... فبعد ان كان عاشقاً للعب واللهو والرحلات والفكاهة ... حل الحزن والاسى محل السرور والبهجة ... فقد باغتته الحياة بفاجعة فقدانه لمن كانت تمده بالحياة والدفء والحنان .. خطف الموت فجأة وبدون مقدمات ينبوع الحنان ... ماتت والدته ... ماتت وتركته وحده ... تركت رجلها الصغير ليكبر قبل الأوان.

تخطى محمد هذه المرحلة بصعوبه ولكن ظل قلبه مكسوراً وضحكته غائبة، فقد ماتت البسمة التي كان يستمدها منها، وماتت معها كل معاني الحياة ... فقد برحيلها روحه الحلوة ..

اكمل دراسته وتخرج لأجلها هي فقط، لأجل ان ترتاح روحها وتخلد في سماء الخلد ... وبعد التخرج وصله جواب التجنيد ... فوجئ بأنه سيقضى فترة تجنيده بشمال سيناء، فرح وذهب إلى هناك، يستبق الحدث ... عازمًا على الشهادة ... ذهب وهو يسرع خطاه الي لقاء الغالية ... ذهب وكله عزم على تطهير الأرض المصرية الغالية من دنس الإرهاب والتطرف ... انه على يقين انه وزملاءه من أبطال القوات المسلحة قادرين على فعل ذلك.

لم يخبر محمد والده بمكان تجنيده الغير آمن ... فلازال ميزو يحتفظ داخله بقلب الغالية ... القلب الرقيق الذي ينبض بالأحاسيس الجميلة ... هذا القلب خاف ان يخبر والده حتى لا يكون خبر تجنيده فى سيناء، مصدر قلق لوالده، الذى يعمل طبيبًا برتبة عميد فى القوات المسلحة المصرية ويعلم تماما مدى خطورة مكان تجنيد محمد في رفح بشمال سيناء، وهكذا أخفى محمد عنه الخبر. فلو علم حتما كان سيسعى لنقله الي مكان اكثر امانا. فهو يعلم أن والده يحبه ويخاف عليه كثيرآ.

منذ وطئت قدم محمد رفح وهو يشعر انه سينال بها الشهادة، فبدأ يخط ذكرياته في دفتره لعلها تصل يوما الي يد والده فتصبح ذكرى وفخر له ... كتب محمد في دفتر ذكرياته في يوم التاسع من شهر سبتمبر 2015، وفي أول يوم خدمة له فى رفح، ان هذا أسعد أيام حياته، وذلك لأنضمامه إلى رجال يحمون الوطن ويحمون أهله وعرضه وماله، مذيلا رسالته بدعاء للمولى عز وجل أن يرزقه الشهادة فى سبيله.

يوما بعد يوم بات المقاتل البطل جندى مجند، محمد المعتز رشاد، مشهورا بحسن خدمته وحماسه وتفانيه وعزيمته وإيمانه اللذان لا مثيل لهما ... حتى إن تفاني محمد ومجهوده وصل الي قادته فنال تكريمًا من الفريق أول صدقى صبحى، وزير الدفاع، يوم 17 أكتوبر عام 2015.

كل هذا ولا احد من أسرته يعلم أنه يقضى خدمته فى سيناء ..

وفي يوم من الأيام خطر لمحمد ان يكتب في دفتر مذكراته رسالة لأبوه العميد المعتز رشاد، رسالة أعتذار يطلب منه السماح والمعذرة عن عدم اخباره بأنه يخدم على أرض رفح ... يخبره انه اخفى عنه الخبر لانه كان حريصا على صحته وحالته النفسية.

كتب فى رسالته قائلا:

"ابي ... والله أنا سعيد جدًا، وكل حاجة فى هذا المكان مباركة وجميلة، هى سيناء كده، وحضرتك عارف ..
احبك يا ابي ... يا اغلى اب في الدنيا ... سامحني يا ابي على اي خطأ عملته في حياتي ... كنت ظالما لنفسي وعملت اخطاء كثيرة"

اقترب محمد من زملاءه من الموت الذى رآه يخطف ارواح أقرب الزملاء له ... هذا جعله يتقرب الي الله اكثر ويعيد النظر في حياته الماضية، ويرى ان والده جانبه الكثير من الصواب في حكمه على أمور حياته الخاصة ... رائحة الموت التى كان يتشبع بها المكان جعلته يعلم مصيره المحتوم، فبدأ يعد نفسه بترك بعض الرسائل في دفتر مذكراته، لعلها تكون ارث وذكرى تواسي اباه على فراقه.

في رسالة اخرى كتب محمد، وكأنه يعد نفسه للشهادة، قائلًا : "يا أبى إن كنت نلت الشهادة بأمر الله، تأكد إنى فى مكان جميل وسعيد، إن شاء الله مع الشهداء والأنبياء والصالحين، يارب العالمين يملأ قلبك بالصبر والإيمان، إنى إن شاء الله فى جنات رب العالمين الكريم الرحيم".

مرة اخرى يخبر محمد والده عن مشاعره، فيكتب له قائلًا : "أحلى إحساس أنا حاسه هو الجهاد فى سبيل الله، وأيضًا إنى فى مكان الأبطال والشهداء"

وفي احدى رسائله كتب محمد هذا الدعاء الجميل: "ربنا يتقبل جهادى ويجعله فى ميزان حسناتى، وميزان حسناتك يا والدى العزيز، وفى ميزان حسنات أمى الغالية، الله يرحمك يا أمى لإنكم خلفتوا راجل، ربنا يتقبل منكم"

كما لم ينس محمد، أن يرسل برقية مواساه، لشقيقه وشقيقته، مخبرًا إياهم أنه ذهب إلى سيناء للدفاع عنهم، متمنيًا من الله أن يكون على قدر هذا الشرف، وأن يقوم بواجبه على أكمل وجه.

في يوم يستدعيه قائده مكلفا اياه بمهمة اشتباكات على حدود رفح ... يشعر محمد ان هذا يومه البطولي، وبعد ان يترك موقعه يستأذن قائده ليعود الي كتيبته لأمر هام ... وهناك يخرج دفتر مذكراته ويتركه على المنضده ويكتب عليه: من يجد هذه الكراسة بالله عليك ان توصلها لأبي الدكتور / المعتز محمد رشاد .. فلقد شعر محمد انه سينال الشهادة التي تمناها منذ اول يوم له في رفح.

للأسف يصاب محمد بأصابات بالغة خلال الاشتباكات فيتم نقله إلى مستشفى القوات المسلحة بشمال سيناء، ويتم إجراء عملية جراحية له، لكن خطورة حالته، أدت إلى نقله إلى مستشفى المعادى العسكرى، وعلى الفور يستدعى فريقًا طبيًا على أعلى مستوى ليباشر حالة محمد، ويجرى له جراحة عاجلةً، إلا أن المفاجأة، جاءت كمشاهد فيلم سينمائى، فقد فوجئ الطبيب العميد المعتز رشاد، الذى يقود الفريق الطبى، أن المصاب الذى جاء بحالة حرجة بعد إصابته فى سيناء، هو ابنه محمد الذي لم يكن حتى وقتها يعلم اين موقع تجنيده بالتحديد.

يحاول الدكتور معتز جاهدًا إسعافه مع زملاءه من الفريق، إلا أن القدر قرر أن يلفظ محمد أنفاسه الأخيرة بين يدى والده، ليكتب عند الله من المقاتلين المجاهدين الأبطال.

اسفة اصدقائي ..

قد كنت وعدتكم سابقا ان اكف عن الكتابة عن الحزن ولكن الأيام تمر وأجدني انكس الوعد ... فكيف لي اكتب عن الفرح وهناك بيوت لا تكف اجفانها غن ذرف الدموع ... فكيف لي ان تهنأ حياتي وانا ارى البومات صور شهدائنا ... كل يوم تزدان بصور جديدة ... كيف لي ان انام هادئة غير عابئة بما يدور حولي وهناك اما خاصم النوم جفونها.

اسفة اصدقائي لم أستطع فشهيدنا اليوم في عمر الزهور ... فى احلى سنوات العمر ..

عذرا فصورة ميزو بوجهه البشوش لا تفارق مخيلتي.

غادة بدر