#غادة_بدر تكتب: أنا ونرمين وجهان لعملة واحدة

كتب بواسطة: غادة بدر في . القسم منوعات

 

 جرت العادة ان يكون الصديق مرآة صديقه ... معرفش مين اللي خلاها عادة ... بس امي دايما كانت تقولي اختاري الصديق قبل الطريق.

ماشي يا ماما اوكي هختار ... وحصل بالفعل انى اخترت الاصدقاء اللي كانوا شبهي، بنلبس نفس اللبس وساعات كمان كنا بنلبس من بعض ... بنروح نفس النادي ... وساعات اكتر كنا بنقعد مع بعض في نفس البيت. عندنا نفس الأفكار، ساعات كانت بناءة وساعات أكتر كانت هدامة.

كنت في كل مرحلة من عمري اتعلق بصديقة او اثنين، يصبحن "انتيماتي" ويمكن بعد كدة يقعوا مني في مشوار حياتي الطويل وساعات يكملوا. ولكن هى وحدها فقط ظلت تلازمني في كل مراحل حياتي من اعدادي، حتى سلمتني إلي زوجي وسافرت.

وحتى خلال سفري كانت هي الوحيدة التي ظلت مواظبة على مراسلتي ... ظللنا على هذا الحال حتى تزوجت نيرمين وأنجبت، وعندها شغلتها مشاغل حياتها الجديدة عني. ولكم تمنيت وطلبت من زوجي في بداية حياتي الزوجية ان يبحث لنرمين عن عريس صديق له، شرط ان يكون مقيما معنا بالكويت ... لا تتخيلوها مثالية مني فلم يكن جل همي ان تتزوج نيرمين او تظل بدون زواج ... بقدر ان تظل بجانبي بالكويت تلازمني كما لازمتني في المحروسة,

كما سبق واخبرتكم تعرفت بنيرمين في المرحلة الأعدادية، ومن يومها أصبحنا كالتؤام الملتصق. وعندما كان يرانا المعارف والاصدقاء ... يسألونا السؤال المتكرر ... انتوا اخوات ولا ولاد عم ... فقد كان يبدو في وجهينا تألف عجيب. فكلنا تشبه الأخرى الي حد ما وبالأخص في الروح.

أتذكر ايامنا الحلوة الماضية وكأنها بالأمس القريب ... بيني وبين نيرمين الكثير من اسرار الطفولة ... اليوم قررت ان افشي احدى اسرار طفولتنا ... سامحيني ياصديقتي.

في المرحلة الثانوية اعجبت نيرمين بإحدى جيرانها في الشارع، وبعد السؤال والتمحص والتفحص اكتشفنا ان حاتم احد لاعبي فريق كرة اليد للشباب بنادي الزمالك ... وما كان مني أنا صديقتها الصدوق والا ان يتفتق ذهني لخطة جهنمية، وهي ان نشترك انا وهي في فريق كرة اليد ايضا ولكن للشابات طبعا.

وهكذا يصبح هناك مجال لنيرمين لترى حاتم كل يوم، في محاولة لأيجاد نقطة تلاقي مشتركة بينهم، وليكن هدفهم معا هو رفع اسم شعار نادي الزمالك في عرش السماء... هذه كانت نيتنا ولكن انت تربد وانا اريد والله يفعل ما يربد.

نبذة مختصرة عن العبد لله ... انا ولله الحمد والشكر، احتل المرتبة الأولى في الكسل وتليني في المرتبة الثانية نيرمين صديقتي.

المهم تقدمت انا ونانا للإنضمام الي الفريق ... لا اعلم بالضبط ما هو السبب الذي شجع المدرب على قبول انضمامنا إلي الفريق بمنتهى سهولة ودون اجراء اي اختبار لقدراتنا الرياضية .. تقدروا تقولوا كدة توسم في قامتنا النحيفة أنها قامة رياضية، او يمكن طمعا في الخمس جنيهات قيمة اشتراك التمرين الشهري.

في اليوم الأول بدأنا بكل همة ونشاط في التمرين الذي كان يبدأ بالدوران جري حول التراك خمسة مرات كتسخين مبدئي للتمرين ... أستنزفت كل طاقتنا من اول لفة ... وبعد انتهائي انا ونرمين من اللفة الثانية أضطر المدرب ان يعفينا من باقي اللفات، لأن باقي اعضاء الفريق كانوا بالغعل قد انتهوا من الدوران حول التراك خمسة مرات وجاهزين لبدء التمرين الغعلي.

العجب العجاب هو ان المدرب قد اشركنا من اول تمرين باللعب والاحتكاك الفعلي مع الفريق ... واضح كده انه كان لاسع او يمكن حب ينتقم منا.
المهم كنا تقريبا كدة كل يوم انا ونانا نسحل على إرض الملعب ... فمتدربات كرة اليد كما هو المتعارف عليه يمتزن ببنية ضخمة قوية وكفوف يد عريضة، والعبد لله وصديقتها كانوا بجانبهم اشبه بخلة السنان ... فقد كانت خبطة يد واحدة من اي متدربة كافية لجعلي اطير في الملعب ثلاث امتار للإمام.

وبالرغم من ذلك ظللت على اصراري على اكمال المسيرة او الخطة الجهنمية ... فلم يكن بأمكاني ان اخذل نيرمين ابدا فقد وضعت كل ثقتها بي ... ظللنا على هذا الوضع اكثر من ستة اشهر. عز البرد لا يهبط من عزيمتنا ... قيظ الحر لا يؤثر بنا ... كل هذا وحاتم لا خد باله من نرمين ولا شافها من اساسه.

حتى قررت التنازل عن خطتي والتسليم بالفشل واعتزال كرة اليد والامتناع حتى عن المرور من جانب سور نادي الزمالك. اتذكر هذا اليوم جيدآ ... كان يوم غيم لم تطلع له شمس ... عرجت على نيرمين كعادتي حتى نذهب سويا للتمرين ... ولكني وجدت نرمين مريضة طريحة الفراش ولن تتمكن من الذهاب معي ... هل أرجع لأصون كرامتي طبعآ لأ.

المهم اكملت مسيرتي الي النادي وحدي ... ولكني قطعا لم اشارك في التمرين ... وهكذا حدث ولأول مرة ان جلست في صفوف المدرجات مع المشجعين ... جلست وأنا أتابع المتدربات لعلني أتعلم شئ ... جلست في الصفوف الخلفية وكان عدد المشجعين قليل بسبب برودة الطقس.

بالصدفة كان امامي ثلاثة اصدقاء من الشبان المشجعين ... بدأت المبارة كالعادة وبدأت احدى الشابات يسأل صديقه ... امال فين البنتين اللي بيموتنا ضحك كل مرة؟؟؟ فيرد عليه صديقه: مين؟؟؟ فيجيبه ... البنت دي اللي بيقعدوا يشقطوها لبعض زي الكرة ... والتانية اللي بتتدقلج وراها ... صديقهم التالت يرد يقول لصديقهم التاني (اللي شكله مش عارفنا أو مضحكش علينا قبل كدة) ... يا بني البنت دي ام دقن فرعونية وصاحبتها اللي شبهها.

انا اجلس خلفهم اتحسس ذقني النفرتيتية ... احاول بكل الطرق ان احبس انفاسي حتى لا يشعرون بي ... وانزل في مقعدي اكثر اكثر واتمنى ان الارض تنشق وتبتلعني.

فجأة يقف إحد الشبان ويخبر صديقه بانه راحل لأن المبارة بلا طعم ... فالمبارة شكلها كده هتكون مملة من غير الفقرة الكوميدية.

بصراحة من وقتها قررت الا اعود مرة اخرى واهوب على نادي الزمالك ... وقلت لنيرمين: انسى حاتم ده خالص ... بلا قلة قيمة ... وكان قراري قرارا صائبا بلا شك، ليس فقط لما حدث ولكن رحم الله امرء عرف قدر نفسه ... فلم اصلح يوما للممارسة اي من الألعاب الرياضية.

اتذكر وقتها كم كانت امي رائعة ... فكم كنت اذوب خجلا وانا اخبرها حقيقة فشلي الذريع في لعب كرة اليد ... وفجأة احتضنت يدها بيدي وافهمتني ان عدم كوني بطلة رياضية او ذات مواهب فنية ينقص ذلك من قدري ... فكل شخص قد حباه الله بمواهب خاصه تناسب أمكانياته هو فقط ... فيومآ ما سيكتشفها ... كلماتها البسيطة كانت اكبر عون لي في تخطي هذه المرحلة الانهزامية في حياتي.

المهم لم يمر عام على تلك الأحداث ... الا ونيرمين كانت قد نسيت حاتم.

كبرنا انا ونرمين وكل منا مشى في طريقه ... لم تفرقنا اختلافات طرقنا او اختلاف دراستنا الجامعية ... قطعنا مسافات طويلة وتغيرنا وغيرتنا الأيام ... اختلفنا في الشكل ولكن ظل الجوهر والمضمون واحد ... عندما نرى بعضنا، حتى لو كان الغياب قد طال لسنوات عديدة، لا نتوقف عن الحديث نتكلم مثل الماضي بنفس السرعة ونفس نبرة الصوت ... ضحكاتنا تعلو فوق اصواتنا ونصرخ في وجوه بعض ... بنفس السعادة وكأننا قد عدنا اطفالا مرة أخرى.

في احدى زياراتي للوطن خرجت مع نيرمين ... وشاهدنا معا بعض اصدقائي فتعجبوا كثيرا وسألوني ما الذي يجمع بينكم؟ قالولى بالانجليزي: بس نيرمين مش استايلك ... ففي عيونهم سؤال حائر كيف لنيرمين ست البيت المحجبة ولا تصافح الرجال بيدها، ان تكون صديقتي الأنتيم وانا امرأة عاملة ... تلبس على احدث صيحات الموضة ... فما هي نقاط التلاقي بيننا ... وكيف واتتنا الجراءة للخروج سويآ وبيننا هذا الأختلاف المظهري؟

هم يرونا بعيونهم نختلف في كل شىء ... ولا شىء يجمعنا ... بينما اذا تمعنوا النظر واخترقوا قلوبنا حتما سيروني انا ونرمين وجهان لعملة واحدة ... وليس نيرمين فقط بل انا وزينب وميري وسوسن ومنى واميرة وحنان وايمان وجيهان وعبير ويمنى وهالة ونجلاء ومريان وامنية ورحاب ... كلنا اوجه مختلفة لعملة واحدة. معدنها واحد أصيل.

مشکلة هذا الوطن تكمن في عدم تقبله للأخر ان اختلف عنه ... فأن اختلف عنه سيخاف منه ويبدأ بمحاربته ليقضي عليه ... تجربتي في الغربة اذابتني في اختلافات البشر وجعلتني أتأقلم معها ومن ثم اكون عاشقة لها ... فلولا اختلاف البشر لكانت حياتنا رتيبة ومملة ... وفهمت حقيقة هامة وتعايشت معها ... فمهما كانت نقاوة الأنسان فسيظل بداخله الكثير من الخير وبعض الشر ... فكلنا نفس العملة.

أصدقائي لا تدعو المظاهر تخدعكم فتحكمون بالخطأ على اشخاص من ظاهرهم ... تعودوا ان تخترق عيونكم صدورهم لتروهم على حقيقتهم.

غادة بدر