#نقد_كتاب: هيروبولس

كتب بواسطة: فادى رمزى في . القسم نقد كتاب

 


من ساعة ما بدأنا عرض نقد لعمل أدبى من مجلة مصرى، و أنا بعرض فقط الكتب اللى عجبتنى او عجبت كاتب هذا النقد الأدبى ..... ونادراً ما نشرنا نقداً سلبياً عن أى كتاب، إلا لو كان قد حقق شهره كبيره لا يستحقها، او على الأقل أن تكون هذه الشهره قد غطت على بعض عيوب هذا العمل الأدبى، وبالتالى رأينا انه من واجبنا ان نلفت النظر، كنقاد هواه و قراء محترفين، إليها.

إيه لازمة المقدمة الطويلة دى؟

الحقيقه كتاب هيروبولس لخبطنى تماماً ... فقد قرأته بمنتهى الشغف ولكننى فى نفس الوقت لم استطع تجاهل عيوب كثيرة فى أسلوب الكاتب و طريقة عرضه للقصه وعمق تناولها .. لذلك سأتعرض له بالنقد و رزقى على الله، على أساس إن شراءه يبقى مسئولية كل قارىء، و فى نفس الوقت محاولة بريئه للفت نظر كاتب، لديه إمكانيات كبيره مثل محمد التهامى، إلى بعض "منغصات" الطعم فى أسلوبه التى قد تجعل القارىء ينصرف عن قراءة اعماله.

هيروبولس هى المدينة الفرعونية التى بنيت مكانها مدينة السويس، و التى يأخذنا المؤلف فى رحلة مثيره للخيال وفى جولة تاريخيه تبدا من أيام الثورة العرابيه و حتى يومنا هذا ... جولة ترينا التغيرات التى حدثت فى السويس و واحة جمالها بور توفيق خلال السنوات الطويلة والأحداث الصاخبة التى عصفت بها و و بناسها و بهذه الأمة كلها.

جولة تقودها عائلة آل عزيز و اولادهم و احفادهم و احفاد أحفادهم ... جولة مثيرة فى تناقضاتها و عبق التاريخ الذى يخرج من كل تفاصيلها ... أو هو ده اللى كان المفروض يبقى !!!

الجوله كانت سريعه و "متلهوجه" ... أسلوب الكاتب جعلنى لا أتفاعل مع الأحداث بالصورة الكامل، فقد مر مرور القطار و هو ينهب أحداث القصة نهباً بدون الإلتفات بل و التوقف عند محطات كثيره كان من الممكن ان تكون غاية فى المتعة وتعرض بانوراما تاريخية تلهب خيال القارىء ... فلك ان تتخيل ان السنين مرت من ثورة عرابى إلى حرب 67 فى 58 صفحه فقط لاغير ... !!!

58 صفحة كلها حصل و حصل و حصل ... أحداث متلاحقة فى سطور قليلة تعرض أسماء و أسماء و جوازات و علاقات و حب ضائع و وطن أضيع ... فلسطين راحت و الثورة قامت و القناة إتأممت ... كله Take Away بدون أن نتريث و نراقب و نرقب التغيير الذى حدث فى الشخصية المصرية خلال كل هذه البلاوى التى عاصرتها و عصرت فى الأمة.

لقد أفرط التهامى فى إستخدام فعل الماضى، مما وضع القصة كلها فى شكل برشامة تاريخية للمراجعة النهائية، او حواديت جدو و تيته عن العيلة ... تتغير حياة الأبطال بسرعة و تمر بهم السنين قبل ان تلحق ترسم لهم، ككقارىء، ملامح فى خيالك، يعنى مثلاً:

"إشترك هيثم و أخنه ياسمين فى نادى الزمالك، أحب كرة اليد، لم يتفوق فيها، كان يلعبها لجذب المعجبات، كان يزيد يرى أن هيثم يشبه جده ناجى فى جديته و ذكائه، كما ورث عن ابيه القدرة على جذب الفتيات و الشباب من حوله عندما يتحدث، إلتحق هيثم بالجامعة الأمريكية، و شارك فى اعمال خيريه أثناء الدراسه، و إن كان يرى فى قرارة نفسه أن العمل الخيرى مجرد تضييع وقت".......

خلاص رسمنا الشخصية، فى مرحلة هامة من حياتها، و عرضنا لمحات مختارة بقرارات و فرمانات من المؤلف و بدون ذكر مبررات مثلاً لماذا يرى ان العمل الخيرى تضييع وقت ... طب إشترك فيه ليه ؟!!!

أنا فى رأيى المتواضع كقارىء إن نفس الفقره لو بدأت بـ : "قرر هيثم أن يشترك فى نادى الزمالك ... و هناك إستهوته لعبة كرة اليد، ولكنه لم يتفوق فيها ... (و ممكن نقول سبب زى إن جسمه ضعيف او زمايله مش بيحبوه..إلخ) و لكنه وجدها فرصه أخرى للتعرف على الفتيات، بجانب الأعمال الخيرية التى يتظاهر بشغفه بها بينما هو يراها طريقه فعاله للفت إنتباه الفتيات و التقرب منهن، فهو قد ورث عن أبيه........."

انا مش حفتى و أقول إنى مؤلف زى محمد التهامى ... بس دى طريقة أراها، حسب علامى، مقبولة اكثر و تزيد من إرتباط القارىء بأحد أبطال القصة.

الأحداث بقت تاخدنا و تودينا ... كثيرة لكن بلا عمق، يعنى اللى يموت يموت بدون اى حسرة من القارىء عليه ... فقد إختار المؤلف الأبطال ليحشوا بهم السنين الطويلة التى عاشتها الرواية ... عزيز على كريستين على ناجى على فاطمة على سعاد، اللى ظهرت و إختفت بسرعة، يزيد .. نور .. مارتين .. سارة الفرنسية المصرية اللى ممكن يتألف عليها رواية لوحدها، فهى تحولت من شيوعيه ثائره إلى نجمة إغراء سينمائية فى فترة السبعينيات ... ثم إعتزلت و تنقبت و أصبحت تعطى دروساً فى الدين ... شخصية غنيه جداً و كانت تستحق من المؤلف، الذى أبدع فى رسمها، أكثر و أكثر ... فهى نموذج لتحول المجتمع من النقيض إلى النقيض بشيزوفرانيا مصرية أصيلة.

لكن يظل محمد التهامى مميزاً فى إجتذاب القارىء، رغم كل هذا، إلى أحداث الرواية .. فأنت تنتظر بشغف لحظات التوقف عن اللهث، القليلة جداً، و التى يظهر من خلالها موهبة المؤلف مثل:

"إختلف جيران كريستين و عزيز بعد رحيل الأجانب (بعد حرب 56)، و إحتل البيوت عدد من ضباط الجيش و الموظفين المصريين، و بدأت الشوارع تتغير، و الشرفات يلقون من عليها الورود و الزهور، و يضعون بدلاً منها الثوم و البصل ... حتى الحديقة الفرنسية التى تحتوى على أشجار نادره، تحولت إلى حديقة شعبية، يأكل الناس فيها و يلقون بواقى أطعمتهم على الأرض! تغيرت معالم المدينة بالكامل مما سبب حزناً قاسياً لـ كريستين، فإكتفت ببيتها و لم تعد تغادره إلا للضرورة"

فقرة رائعة الجمال وبها الكثير من الوصف الذكى اللماح، أسلوب الكاتب جعلنى اتعاطف مع البلد و كريستين الفرنسية التى عشقت بور توفيق و أمضت بها سنوات طويلة من عمرها ... هو ده اللى كنت متوقعه من الرواية، و هو ده الطابع اللى، فى رأيى المتواضع، كان المفروض أن يحافظ عليه المؤلف. فهدف الرواية هو التعمق فى حال البلد و ناسها، مش معرفة مين إتجوز مين و خلف مين و نعدى على الأحداث بسرعة ... ده حتى الكاتب لم يذكر موت السادات و تولى مبارك للحكم و لو بسطر ... معقولة !!

أنهيت الكتاب و أنا متشبع تاريخياً بنسبة 60% ... المؤلف قدم لى وجبة شهية بالسمن البلدى وأذاقنى وش الحله ... بعدين قال "بح ... عرفت الوصفة؟ إبقى إعملها انت بقى" ... مع إنه طباخ غاية فى المهاره لغوياً و ذو خيال واسع و تفكير منظم، ومن الواضح انه باحث ودارس جيد للتاريخ ... يبقى إيه المشكلة؟

هل خاف إن الرواية تبقى كبيرة ... هى تستحق الصراحه، و ممكن كانت تبقى ثلاثية زى ثلاثية نجيب محفوظ، فالشخصيات غنية ومرسومة، كإسكتش مبدئى، بمهارة ... وتاريخ البلد مليان و بور توفيق مكان أدبى جديد ... يبقى ليه البخل يا تهامى علينا؟

فى النهاية أرجو أن يتفهم قارىء المقال و المؤلف وجهة نظرى .... فغرضى النقد الهادف وليس الهادم، و ربما اكون غير دارس لأصول الأدب و النقد، و لكننى بمنتهى البساطة، و بكل ما تحمله هذه الكلمه من معنى، أنا مجرد ... قارىء شغوف بالقراءة.

من الآخر:

بعد ما قرات الروايه، و أعجبت بالمعنى الذى تحمله النهاية ... حسيت إنى مش هقوم من على السفرة الأدبية التاريخية كده نصف عقل، فقمت قرات للمرة الثالثة رواية [الباخرة كليوباترا] لمحمد معروف ... ثم نمت و دخلوا الروايتين فى الحلم على بعض ... بورتوفيق بقت فى السودان، و الحرب العالمية الثانية كانت بين إنجلترا و الجواهرجية، و الزعيم عرابى راجع من المنفى بياخد Tan على سطح باخرة سياحية رايحه الأقصر ...!!!

لخبطة شديده فى احلامى، ما بقتش عارف ورايا من قدامى ... الله يجازي حبى للروايات التاريخية ومحمد معروف و.... محمد التهامى.

فادى رمزى