#نقد_كتاب: شباب صينى

كتب بواسطة: فادى رمزى في . القسم نقد كتاب

 

لفت نظرى إسمه ففوراً إشتريته ... فأنا شخصياً أحب ان اشجع عناوين الكتب المبتكرة و التى تحمل البريق التجاري المطلوب و الضرورى ولكن فى نفس الوقت تخلو من الإبتذال أو الهيافة. وايضاً لأننى وجدت أن إسم المؤلف، محمد التهامى، له صدى أدبى عندى ..

فمنذ روايته الأولى هيروبولس، التى أحببتها و اتغظت منها، و انا عايز اقرا له تانى حتى اتأكد من وجهة نظرى التى قلتها مسبقاً ... وهو انه كاتب موهوب و متميز، له نكهه مختلفة و اسلوب سلس للغاية. وقد سعدت عندما تصفحت الكتاب سريعاً فوجدته يحوى عدداً من القصص القصيرة، فى تنوع كتابى يريد به استغلال منطقة مميزة من مناطق موهبته.

المؤلف يريد أن يعرض علينا، و لنا، فيلماً تسجيلياً عن واقع شبابنا، و ذلك عن طريق سرد "حالات" موجزة يمر بها الكثير منهم ... ترينا ماذا تصنع "البلد" بهم، و كيف اوصلتهم لحالة من القرف و اليأس و الكبت و التطرف و الإنحراف ... بينما هم يريدون فقط ان يحبوا و يتحبوا ويتستروا فى شقة محترمه بمنافعها.

يأخذنا محمد التهامى واحدة واحدة فى هذا "العرض حال"، و هو اسلوب تصاعدى استلذه بشدة، فهو لا يصدمك بل يدخلك تدريجياً فى الجو العام المطلوب ... فمن حب من "خط" واحد فى المترو، إلى حب قديم فجأه ظهر فى حياة فنان و غير له حياته، إلى حب اعمى لا يرى الدبلة. 

ثم يدخل فى عمق الموضوع قليلاً بإستعراض "هى دى القاهرة" ... فيه نرى فعاليات جمعية "لم نفسك" المناهضة للتحرش، و التى تقيم اهم إحتماعاتها فى مارينا، ثم يرزع قنبلة "حركة الشياطين المعارضة" و هى قصة ضحكت فيها كثيراً و صفقت طويلاً للخيال العريض الذى ينقل واقع مريض عن طريق إستعراض دنيا الشياطين و العفاريت.

تخيلوا إن الشياطين المصريين يحسدون اخوانهم فى الدول الأخرى لأن اعمالهم رايجة و سهلة و مباشرة و سلسلة ... بينما هم هنا فى المحروسة مش عارفين مين الأولى بالوسوسة: تارك الصلاة الملتزم سلوكياً أم المواظب عليها المرتشى و المنحرف اخلاقياً ... ولا البنت المحجبه من فوق و "مأنتمه" من تحت، و السافرة اللى تعطى دروس العفة لأبلة فضيلة ..

شيزوفرانيا إحتار الشياطين انفسهم فيها، و صاروا يطالبون بعقود وسوسة فى الخليج أو فى أى دولة أوروبية، حيث الأمور مازالت تلتزم بقواعد الخير و الشر المعروفة و المحفوظة ... يعنى حتى الشياطين فى بلدنا برج ضرب من نافخوهم و لسعوا زينا.

ثم يأتى دور قصة "شباب صينى" ... التى ترينا بأسلوب فانتازيا إزاى شبابنا طفشان نفسياً و جغرافياً من واقعه، حتى أننا فى المستقبل القريب قد نجد أن البلد اصبحت تخلو من الشباب، فقد صدرتهم الحكومة للدول الغربية و الشقيقة، حتى تخلص من زنهم و بالمرة تسمسر من ورا صفقة بيعهم. و لكن ما الحل فى هذه الحالة، تاهت و لقيناها ... هى الصين مافيش غيرها نستورد من الفائض من شبابها، بس ضرورى ننقيهم على الفرازة بحيث نضمن فيهم الولاء و الطاعة.

هى بإختصار أبسط و أعمق قصة قصيرة فى هذا الكتاب، فيها البهاريز و تضحك و تتحسر على كم الحقيقة اللى فى خيالها ... هى قصة وقعت فى منتصف الكتاب و لكنها تحمل جوهره و المستهدف منه حسب ما شعرت اثناء قراءتها.

فى فصل "حكايات من قلب القاهرة" يعرض علينا "فتاة الجراج" التى تعطى معنى آخر لمقولة "التاريخ يعيد نفسه"، فبنت الشارع تنجب بنت شارع، و لا الشارع بيخلص ولا البنات بيصيبها العقم ... إذ تدور الدوائر التى لا نشعر بها، و لكنها تخنق واقعنا و تتسبب فى تقهقرنا كمجتمع ما لم نتصدى لها ..

و لكن كيف نتصدى و "القاهرة سابقاً" و حالياً تبيع نفسها للأثرياء الخلايجة، من يحضرون لشراء بناتنا و عقولنا بعد ان اشتروا فننا ... يرمون بياضهم فتنهار مقاومتنا و قيمنا، و تصبح تقاليد "وأد البنات" الجاهلية أكثر معاصرة و حداثة، و رحمة بالبنات، نتيجة للظروف الإقتصادية ولإستسهال المكاسب المادية ... بس كله شرعى و بحق ربنا، ييجى فين الشاب الصعيدى و حبيبته من كل ده، ده ينداس و ينضرب ميت بلغه.

و نظل كما نحن واقعين فى "تقاطع قاهرى"، به شباب مكافح و لكن ثقافته خفيفة أى داعى مدعى ممكن يركبه و يدلدل رجليه، و شباب آخر صار محموله بكليباته العارية بمثابة زوجته الخياليه (تشبيه مباشر و مختصر من ارقى الصور التى قرأتها مؤخراً) ... و فى النهاية تكون الفتاه دائماً الضحية، و اللى عايز يطفش يجد من النصابين 100 ..

قصة قصيرة من حوالى 50 صفحة، و نعيشها بقالنا ييجى 20 سنه ... و ينتهى عندها الكتاب، و لكن الصفحة الآخيرة منها قرأتها أكثر من مرة ... فيها اسلوب عرض للنهاية المعروفة عن طريق تجميع كل قصاقيص و شخصيات الحدوته فى نص صفحة "خبرية" تصفعنا على وجوهنا بقوة، حتى نفتح اعيننا للمخاطر التى نصنعها بأنفسنا و بتكاسلنا، و تُصنع فينا بمعرفة "تجار التعاسة" الذين شوهوا جوهر شبابنا و هم غير عابئين بمستقبلنا.

أسلوب الكتاب من اوله لآخره سهل للغاية و يجعل سطور الكتاب تنساب إلى عقلك بسلاسة، درجة التشويق عالية و المحتوى مقدم بطريقة خفيفة و غير خانقة ... يترك لعقلك ان يهضم كيفما يشاء، عايز تدور على عمق دوّر، عايز ايفيه و نكته حلوه و ابتسامه دائمة طوال القراءة، فى القصص الأولى، مافيش مانع ... فهو عايزك تقرأ و تستمتع و ترى و تتفهم. 

احيى محمد التهامى على هذا الكتاب الميديام سوبريم، خفيف و لذيذ و مشبع و مفيد ... توليفة حلوة ارجو ان يستمر فى تقديمها .. فهو بالتأكيد متميز جداً في طبخها.

فادى رمزى