2 - مصرفي قبضة المماليك - الباب العالي

كتب بواسطة: محمد حسين يونس في . القسم نقد كتاب

 

بونابرت في مصر... (كريستوفر هيرولد)

لقراءة الأجزاء السابقة اضغط هنا

قرب نهاية القرن الثامن عشر كانت مصر مستعمرة عثمانية و كانت الامبراطورية العثمانية في حالة من الضعف و الانهيار بحيث أطلقوا عليها في أوروبا (الرجل المريض )..

لذلك فرغم أن للخليفة مندوب حاكم في مصر إلا أن الحكم الفعلي كان بيد24 من البكوات المماليك الذين يشكلون (( ديوانا يراسه الوالي التركي (الباشا ) و كان هدف الحكومة التركية من وراء هذا التنظيم مقتصرا علي جمع الخراج و الجزية .. و كان الملاك يجمعونها من الفلاحين ثم يسلمون جزءا منها للجباة الذين يسلمون جزءا منها للكشافين الذين يسلمون جزءا منها للبكوات الذين يسلمون القليل منها للباشا الذى يرسل بالبحر ما تبقي منها للباب العالي )).

المماليك الذين جاء منهم البكاوات كانو عبيداإشتراهم سادتهم من النخاسين (( و قدموا علي مصر اول مرة عام 1230 م حين إشترى السلطان الايوبي نحو 12000 شاب من جبال القوقاز أكثرهم من أصل جورجي أو جركسي ليؤلف منهم صفوة الفرق في جيشه .. و ما أن مضت عشرون سنة حتي إستولي المماليك علي البلاد فقتلوا السلطان أشرف عام 1252 م و أقاموا دولتهم التي ظلت تحكم البلاد حتي فتحها العثمانيون عام 1517 ، علي أن الفتح العثماني لم يكسر شوكتهم قط فبينما كانت سلطة الولاة تتضاءل شيئا فشيئا حتي لتنعدم أحيانا أصبح البكوات بما إقتني كل منهم من مماليك سادة البلاد الفعليين )).

(( نجاح المماليك في التسلط علي مدى خمسة قرون و نصف سببه خضوع السكان الوطنيين و إستسلامهم من جهه ثم بعد الشقة بين مصر والاستانة ..كذلك نمط حياتهم الذى فرض عليهم الانعزال فهم لا يتزوجون إلا من جنسهم جورجيات أو أرمنيات أو جركسيات مع أن حريمهم حفل بالسرارى المصريات و النوبيات و الحبشيات و إمتلاكهم الاموال جعل لديهم القدرة علي تعويض النقص في صفوفهم بشراء غلمان تتراوح أعمارهم بين الثامنة و العاشرة يدربونهم علي فنون القتال ))

(( هؤلاء المماليك المشترون هم الذين كانو يؤلفون الطبقة الارستقراطية الحقة و يحتقرون النفر القليل من أبناء المماليك الذين وصلوا إلي مراكزهم بحكم مولدهم .. وهكذا ظل هؤلاء المقاتلون الجراكسة المتعجرفين طبقة منعزلة عن السكان الغافلين يحكمونهم حكما مطلقا ، ويجددون صفوفهم في الوقت نفسه بدم جديد علي الدوام و قد إحتفظوا (إلي حد كبير ) بطابع القوقازيين الجبليين( برغم النفر القليل من الروس و اليونان و الالمان و الزنوج الذين إحتوتهم صفوفهم ) منذ وفدوا إلي مصرإلي أن قضي عليهم عام 1811 .))

((و عاش البكوات و جنودهم ( حوالي 10000 رجل ) الجاهلون بكل شيء إلا الفروسية و القتل و الابتزاز عيشة الترف و الفخفخة علي حساب باقي السكان ..و هيأوا لانفسهم فرص المران علي القتال بما مارسوه في أوقات متفرقة من فن الحرب الرفيع ( الحرب مع بعضهم عادة و مع الترك أحيانا ) و لم يبد أنهم أفادوا بهذه الحياة التي يحيونها إنسانا إلا أنفسهم فقد كان البكوات في صراعهم المزمن علي السيادة لا يفتأون يؤلفون الاحزاب المتخاصمة و يطيحون بعضهم ببعض في تتابع رتيب من الفتن .

فإذا تهيأ الجو لانقلاب جديد عقب سلسلة من الدسائس و المؤمرات و الفتن و الخيانات الخفية تقاطر البكوات بكشافيهم و أتباعهم من الاقاليم علي القاهرة و إنتزعوها بالبنادق و الطبنجات و السيوف و الرماح و البلط .

و يشهد الفلاحون و هم بحقولهم حيث يكدون و يكدحون مواكب الفرسان يخطف بريقها الابصار و يتلالا فيها السلاح و تتألق العمائم المزركشة و العباءات الحريرية الفضفاضة ويحمل هؤلاء علي اعداء لا يقلون عنهم في مظهرهم بهاء و تألقا فيناوشونهم حينا ثم يدخلون العاصمة دخول الظافرين و إلا مرقوا كالسهام صوب الصعيد حيث يلتزمون الهدوء حتي تواتيهم الفرصة لاستئناف القتال مرة أخرى .
وما من شك في أن بسالة المماليك كانت مدهشة يضرب بها المثل و لكن يعدل هذه البسالة براعتهم في التقهقر بسرعة مذهلة إذا راوا ضرورة لاستخدام هذه البراعة )).

(( ورغبة في تشريف هذه الفوضي المنظمة و تكريما بخلع إسم الحكومة عليها رتب الباشاوات الاتراك دور تقليدى فيها ، فإذا ولي الباب العالي واليا جديدا علي مصر و وصل إلي القاهرة ذهب البكوات المماليك للقائه علي الميناء النهرى و حيوه بإحتفال مهيب .. ثم قادوه من فوره للقلعة حيث يظل سجينا سجنا كريما إلي نهاية و لايته ..

فإذا إندلعت نار الحرب الاهلية بين المماليك إحتل الحزب المستولي علي القاهرة القلعة و أكره الباشا علي إصدار فرمانات لصالح حزبه وهو إجراء ثبت أكثر من مرة أنه شكلي لا قيمة له كسلطة الباشا سواء بسواء)).

في زمن سابق للغزو الفرنسي حل بالقاهرة قتال و فوضي من تلك الصراعات (( و كان إثنين من البكوات يتقاسمان السلطة إبراهيم الذى يحمل لقب شيخ البلد و مراد أمير الحج .. وعاد هذان الشهيران مرة أخرى لتقلد السلطة )) بعد نجاح الغزو

في ذلك الوقت كما جاء في تقريرأرسلة أحد الجواسيس الفرنسيين لإدارته (( حصون مصر الحربية ضعيفة لا يحسب لها حساب و أنه لو إتخذت كريت كقاعدة للعمليات الحربية و الاستيلاء منها بسهولة علي ثغور الاسكندرية و رشيد و دمياط و إنزال الحملة في خليج أبوقير... و اكد أن إلاستيلاء علي مصر لن يكون إلا إحتلالا سلميا للبلد الاعزل .. وانه يرى إذاعة منشور يطمئن الاهالي إلي أن الفرنسيين قدموا بوصفهم أصدقاء و حلفاء للسلطان و محررين لهم من ربقة المماليك )).

((نابليون و هو يستعيد ذكريات الماضي و يملي قصة الحملة المصرية إزجاء للوقت في جزيرو سانت هيلانه قال :
ما الذى كان يمكن عمله في هذا البلد الجميل خلال خمسين سنة من الرخاء و الحكم الصالح ؟
إن الف بوابة من بوابات الرى ستضبط فيضان النيل و توزع مياهه علي كل بقعه في البلاد و ستشق القنوات لتحمل البلايين الثمانيةأو العشرة من ياردات الماء المكعبة التي تضيع كل سنة في البحر إلي أوطأ بقاع الصحراء علي طول الطريق إلي الواحات بل و ابعد غربا وسيتضاعف السكان أربع مرات بفضل المهاجرين الكثيرين من أعماق إفريقيا وبلاد العرب و سوريا و اليونان و فرنسا و إيطاليا وتعود التجارة مع الهندإلي طريقها القديم فتحقق فرنسا سيادة علي الهند بسيادتها علي مصر ..))

(( إنه من الطبيعي أن يحكم العالم من الاسكندرية لا روما و لا الاستانةأو باريس او لندن أو أمستردام ))

(( بعد خمسين عاما تكون الحضارة قد وصل نورها إلي قلب إفريقيا عن طريق سنار و الحبشة و دارفور و تكون عدة شعوب عظيمة قد مكنت من المشاركة في بركات الفنون و العلوم الغربية لأنه من يد مصر يجب أن تتلقي شعوب أواسط إفرقيا النور و السعادة )).
و ضاعت أحلام وخطط نابليون و كسر قلب (أم الدنيا ) لاربع (خمسينيات) متتالية فلم تعد (قد الدنيا) بل عادت لما كانت علية في نهاية القرن الثامن عشر من بؤس حكم مماليك ما قبل الاحتلال الفرنسي .

وإلى لقاء آخر مع الجزء التالى بعد غد

محمد حسين يونس