5- (( أظهروا التسامح نحو الشعائر))

كتب بواسطة: محمد حسين يونس في . القسم نقد كتاب

 

بونابرت في مصر... (كريستوفر هيرولد)

لقراءة الأجزاء السابقة اضغط هنا

المحاوره التي لم تصل لمستوى العنف بين أسطولي بونابرت و نيلسون فوق مياة البحر المتوسط بدأت بعد تحرك الفرنسي من مالطا يوم 18 يونيو و إستمرت لمدة ستة أسابيع إبحار لم يستطع الاسطول البريطاني (الاكثر إستعدادا و أخف حركة ) أن يعثر خلالها علي طريدته من السفن الفرنسية البطيئة المثقلة بحوالي 50000 جندى بمعداتهم و مدافعهم و عرباتهم و طعامهم و مياههم.

البعض يوضح أن الحظ قد حالف حملة بونابرت فوصلت سالمة لاهدافها .. وآخرون يرجعونها إلي قلق نيلسون و عدم صبره بحيث غادر موقعة أمام الاسكندرية قبل ساعات من ظهور طلائع الاسطول الفرنسي أما القائد الذى غامر و حقق أهدافه و تجنب مواجهه دامية مع عدوه في عرض اليم فقد أرجع وصوله سالما إلي مرساة لمهارته و إتخاذة القرار المناسب و مناورته بحركة إسطوله بحيث لم يمض في المسارات المتوقعة بل إلتف متلصصا عدة مرات .

(( لا ريب في أن الرحلة من مالطة إلي الاسكندرية كانت محنة قاسية إمتحن بها معظم رجال الحملة علي الرغم من الحفلات الموسيقية و الاناشيد الوطنية و ذلك لنفاذ الاطعمة أو فسادها من جهه و لارتفاع درجة الحرارة من جهة أخرى ، وسرت بين الضباط و الجند علي السواء روح الانانية التي بلغت حدا منكرا بعد النزول إلي بر مصر.

أما العلاقة بين الجيش و البحرية فقد توترت توترا مطردا فلما أنزل الجنود في النهاية وهم يقاسون الامرين من هياج البحر و دواره و من الضنك و الفقر تنفس الضباط البحريون الصعداء لخلاصهم من هؤلاء الدخلاء )).

(( أيها الجنود إنكم موشكون علي فتح له آثار بعيدة المدى في حضارة العالم و تجارته و ستطعنون إنجلترا طعنة تؤذيها لا محال في أضعف مواطنها إنتظارا لليوم الذى سوف تسددون فيه إليها الطعنة القاتلة ))

ثم أكمل بونابرت في منشوره الذى وزع علي الجنود يوم 28 يونيو:

((سيقتضيتا الامر بعض الزحف المضني و سنخوض بعض المعارك و سننتصر في جميع مغامرتنا لان الحظ معنا .
ولن تنقضي علي نزولنا البر أيام حتي نقضي علي البكوات المماليك الذين لا يرعون غير التجارة الانجليزية و الذين يظلمون تجارنا بمعاكساتهم و الذين يستبدون بالاشقياء من أهل وادى النيل .

إن القوم الذين سنعيش معهم مسلمون و عقيدتهم هي (لا إله إلا اللة محمد رسول الله ) فلا تعارضوهم و إسلكوا معهم كما سلكتم مع اليهود في الماضي و الايطاليين و إحترموا شيوخهم و ائمتهم كما إحترمتم شيوخ اليهود و أساقفة المسيحيين .

وأظهروا من التسامح نحو الشعائر التي يقضي بها القرآن و نحو المساجد مثلما أظهرتم نحو الاديرة و مجامع اليهود و نحو ديانة موسي و المسيح .

ستجدون هنا عادات تختلف تمام الاختلاف عن العادات الاوروبية فلابد أن تروضوا أنفسكم عليها .

إن أهل البلد التي سندخلها يعاملون نساءهم معاملة مختلفة و لكن الرجل الذى يهتك عرض إمرأة بعتبر في جميع البلاد وحشا .
أما السلب و النهب فلا يثرى منه إلا الاقلون وهو يجللنا بالعار و يقضي علي مواردنا و يثير علينا عداء الشعب الذى ننشد صداقته .
إن أول مدينة سنشهدها بناها الاسكندر و سنجد في كل خطوة أثار أعمال جديرة بأن ينسج الفرنسيون علي منوالها )).

و لك أن تتخيل منشورا مماثلا كتبه المأمون و هو يعيد غزو مصر و ينهبها أو صلاح الدين و هو يرجعها عن الشيعية الفاطمية و يقتل عشرات الالاف من المغايرين له في الملة لتصبح مصر سنية ..لنعرف الفارق بين غازى و أخر .

(( عندما أرخي الليل سدوله في 27 يونيو صدرت الاوامر للفرقاطة (جونو) أن تلحق بمؤخرة (لوريان)التي كان بها نابليون يملي الاوامر وسط 300 سفينة في جوف الليل ))

(( عندما صعد قائد الفرقاطة إلي مركب أمير الاسطول تلقي تعليمات أن يبحر إلي الاسكندرية متسللا ويستطلع أسباب دفاعها و يعثر علي القنصل الفرنسي و يعود به )).

((أرسل ملازم برفاص لياتي بالقنصل و فيما كان الرسام دينون ينتظر عودته رسم منظر القلعة و مساجد المدينه و منائرها و يسرح في أحلام بامجاد الاسكندرية الغابرة و هي أحلام سرعان ما بددها واقع أليم لمدينة قذرة تعيسة إنكمش سكانها إلي نحو 6000 نفس )).
(( صعد المبعوث و القنصل إلي سفينة أمير البحار لتقديم تقريرهما و كان أهم ما فيه أن الاسطول الانجليزى غادر الاسكندرية لتوه ))...

((وفي اليوم التالي (اول يوليو ) لاح عامود السوارى لانظار الاسطول الفرنسي و كان يومها أبرز معالم الاسكندرية . ))

(( كان واضحا من تقرير القنصل أن النزول ببر الاسكندرية نفسها محال دون خوض معركة و قد يستطيع الاسطول أن يشق له طريقا في أحد المينائين و لكن هناك خطر كبير لان الطريق للمينائين ضيقة و خداعة و لاسيما لو كان الجو عاصف فقد تجنح البوارج أما السبيل الاخر وهو النزول شرقي أو غربي الاسكندرية فمحفوف بمصاعب مماثلة. أما أمثل موقع للرسو فهو خليج أبوقير الواقع علي بعد خمسة عشر ميلا إلي الشرق)) 

أما وجهة نظر الجنرالات فكانت:
(( بهذا يكون الرسو هناك مضيعة لوقت ثمين بسبب بعده و هو بالضبط البقعة التي يتوقع العدو نزول الحملة فيها و أفضل منه من وجهة نظر رجل اليابس هو ساحل العجمي ))

(( و لقد اثار الاميرال تروى إعتراضات قوية علي الانزال بشاطيء العجمي وسط عواصف البحرو عدم وجود خرائط للمياة الساحلية ... إستمع بونابرت إلي الطرفين و قد عيل صبره ورد في إقتضاب قائلا : أيها الاميرال ليس لدينا وقت نضيعة إن الحظ يمنحني ثلاثة أيام لا أكثر فإذا لم أستغلها فقل علينا السلام ))

و هكذا حسم الامر علي الرغم من أن مراكب نيلسون لم تظهر أمام الاسكندرية بعد ثلاثة أيام بل بعد شهر بالكامل.

وإلى لقاء آخر مع الجزء التالى بعد غد

محمد حسين يونس