6- الاسكندرية مش ماريا .. و لا ترابها زعفران

كتب بواسطة: محمد حسين يونس في . القسم نقد كتاب

 

بونابرت في مصر... (كريستوفر هيرولد)

لقراءة الأجزاء السابقة اضغط هنا

((في نحو الساعة الواحدة صباحا قفز بونابرت في رفاص و هو تواق للوصول إلي البر.. كان( بروى) يمسك بيده ليمنعه من الترنح وفي صحبته قواده برتييه و كفاريللي و دومارتن في طريقهم للبر قرب ساحل العجمي .. و كان كليبر و مينو و بون قد أفلحوا أثناء ذلك في إنزال نحو 5000 رجل أما ديزيه فقد كان لايزال يترنح بفرقته علي الامواج و رينية أنزل بضع مئات ))

(( امر بونابرت بإقامة حراسة علي الساحل و نام ساعة بينما واصل الجنود المبللون شق طريقهم للبر .. في الساعة الثالثة صباحا في ضوء قمر ساطع مر نابليون ليستعرض من وصل من جنوده ثم أصدر أوامره لفرق كليبر و مينو و بون بأن تبدأ زحفها إلي الاسكندرية علي أن تحمي مؤخرتهما فرقتا رينيية و ديزية )).

جرايات الطعام لم تكن قد وصلت بعد و لا الامتعة الشخصية بل و لا مدفع أو جواد عندما بدأ الزحف بل لم يكن هناك ماء للشرب و لم يتيسر منه طول الطريق من العجمي للاسكندرية و عدد قليل من الرجال كان يحتفظ بما يأكله خلال الساعات الاربع و عشرين التالية لنزول الجيش .

وهكذا بدأ زحف الجنود مع أضواء الفجر علي بطون خاويةبعد رحلة ستة أسابيع مضنية لا يحملون إلا سلاحهم و ما عليهم من ثياب و قد غشيت نفوسهم و أنهكهم كفاح الليلة السابقة يخترقون صحراء ليستو لوا علي مدينة محصنة .

(( يقول الملازم نوران في خطاب لاسرته : في وسعي أن أؤكد لكم ( بيني و بينكم ) أن العطش هو الذى حفز جنودنا علي الاستيلاء علي الاسكندرية ، فلم يكن أمامنا وقد وصل الجيش إلي هذه النقطة إلا أن نختار بين العثور علي الماء أو الهلاك )).

(( يقول الملازم فرترى: كانت كل الاماني مركزة في اللحظة التي إسترد فيها شهية الطعام التي خلفتها و رائي في جوزو ))
موضحا أن عناء البر مهما كان خير من عناد البحر .

(( كانت تتراءى علي صفحة السماء في الفجر ظلال نحيلة علي التلال لبدو يمتطون جيادهم و يحملون المرازيق و سرعان ما تجمع نحو أربعمائة منهم عندما رأوا أنه لم يكن للفرنسين خيالة تشجعوا و أخذوا يعبرون بخيلهم وسط الثغرات التي بين الطوابير الفرنسية و هم يصرخون صرخات يجمد لها الدم في العروق .. غير أنهم هربوا لاقل بادرة من المقاومة الجدية .. و لكنهم لم يعودوا بأيديهم خاوية فقد أسروا نفرا من المتخلفين و فيهم عدد من النساء جعلهم الاعياء و التعب لا يكترثون للخطر .. و عندما رد هؤلاء الاسرى بعد أيام رووا قصة عجيبة ما لبثت أن تناقلتها الجنود فزاد حذرهم من التخلف في كل زحف تال فالاسرى الذكور أعجب أسروهم الاشداء رغم نحافتهم إعجابا شديدا ببشرتهم البيضاء الناعمة فإغتصبوهم مرارا و تكرارا و تركوا النساء بعد أن إكتفوا بضربهن )).

(( وما وافت الساعة الثامنة صباحا حتي وصلت الطوابير الفرنسية إلي حصون الاسكندرية الخارجية و كانت الريح قد سكنت و سقط بعض الرجال من الاعياء .. إستعرض الجنرال بونابرت حصون المدينة و أمر الجنود بالهجوم دون أن ينالوا قسطا من الراحة ثم جلس يعبث بسوطه في تل من الشقف)).

((كان العطش قد نال من الفرنسيين أكثر مما نال الخوف من أهل إسكندرية فما خلت الحادية عشر صباحا حتي سقطت المدينة في قبضتهم )).

(( لم يأتي 3 يوليو حتي كان جميع الجنود و الخيل و المدنيين قد أنزلوا للبر و دخلت الناقلات و بعض الفرقاطات و صغار السفن الميناء القديم .. و دهش الجنود و المدنيين علي السواء لمظهر الاسكندرية الذى خيب أمالهم ذلك أن الفخامة القديمة أصبحت أثرا بعد عين فالمدينه كانت خلوا تقريبا من كل شيء حتي الاطلال اللهم إلا الحديث منها و قد كشفت الحفائر بعد ذلك عن قليل من الاثار القديمة
اسكندرية البطالسة و القياصرة في أكثرها لم تهو إلي الارض و لم يردمها التراب بل تحطمت و هضمت علي طول الزمن و دوران الحياة الذى لا يني.. اما أرصفة المينا فكانت خليطا من الصخور و كتل الجرانيت الاسواني المصقولة و القطع المتناثرة من الاعمدة الهلنستية بما يغشاها أحيانا من رسوم هيروغليفية دقيقة أو نقوش يونانية كانت تخلط كيفما إتفق بالطوب الاخضر و الواح الخشب و الطين لصنع البيوت والحصون . فاطلال المدن لا يحتفظ بها سليمه مثل البتراء و بمومبي إلا عندما يتغلب الموت أما الاسكندرية فلم يغلبها الموت رغم مرورها باوقات عصيبة .

..الشوارع قذرة غير مرصوفة مقفرة الاشجار و لكن بها مساجد واسواق وناسا .. عدا الاغنياء الذين يختبئون في دورهم خائفين من الفرنسيين .))

(( كتب جوبير لاخيه : إنك ترى في الاسواق الخراف و الحمام و التبغ ثم عدد من الحلاقين يضعون رءوس زبائنهم بين ركبهم كانهم يستعدون لقطعها لا حلقها و لكنهم في غاية الخفة و المهارة و كانت النساء قليلات في الشوارع إلا نساء الطبقة الدنيا اللائي أثار منظرهن نفور الفرنسيين و كن يرتدين جلبابا واحد أزرق في العادة قذرا دائما و يسرن حافيات الاقدام عاريات السيقان و يلطخن حواجبهن بالكحل و أظافرهن بالحناء و يكشفن في مرح أى عضو من أعضائهن إلا وجوههن ..أما الاطفال فعراه )).

(( كتب بونابرت إلي حكومة الادارة
هذه الامة تختلف كل الاختلاف عن الفكرة التي أخذناها عنها من رحالتنا ..إنها أمة هادئة باسلة معتزة بنفسها )).

((و كتب أخوه في خطاب لجوزيف بونابرت:
إن في الشعب رباطة جأش مدهشة فلا شيء يهزهم و ليس الموت عندهم أكثر من رحلة عبر المحيط عند الانجليزى.. أما طلعتهم فمهيبة وسحننا تبدو كالاطفال إذا قيست بسحنتهم )).

. يقول جندى من قوات الاحتلال
(( قد يبدو زى الاهالي لاول وهلةعديم الشكل ولكن بعد تأمله أدركت أنه أكثر مهابة من زينا ...))

لقد كانت دهشة بالنسبة للفرنسيين أن يجدوا الأسكندرية غير هلينية الشكل و السكان .. بعد إحتلال عربي طويل دمر عظمتها التاريخية .. و دهشة للمصريين أن يفاجئوا أن هناك من يفوق البكوات المماليك و الانكشارية التركية صبيه بيض ناعمي الجلود صفر الشعور .

وإلى لقاء آخر مع الجزء التالى بعد غد

محمد حسين يونس