| من هو الكاتب الذى يحق له أن يكتب سيرته
الذاتيه؟
سؤال فضل يلح على بالى طوال قراءة النصف
الأول من هذا الكتاب (اللى كتبه محمد فتحى) ... و جالى
الرد فى النصف الثانى من الكتاب (اللى كتبته نهى محمود).
حتى تصلوا معى للإجابه، بدون قراءة الكتاب
... فلنبدأ بالإجابه الواضحه و المعتاده، و هى أن الكاتب
المخضرم اللى مر عليه تجارب كثيره و عاش سنين عديده هو
اللى دايماً متوقع منه إنه يكتب سيرته الذاتيه. و لكن لما
شوية "عيال"، فى نظر تاريخ الأدب، يكتبوا سيرتهم الذاتيه
... يبقى الموضوع فيه إن؟
لو فتحنا مخنا و نظرنا بره الصندوق حنلاقى إن
كل واحد فينا، من سن 20 إلى ربنا يديكوا طولة العمر، يملك
من الذكريات و المواقف الطريفه فى حياته التى يمكن أن تملأ
... أوراقاً كثيره. و هو ده بالظبط اللى عمله محمد و نهى.
بصوا على حياتهم القصيره و العميقه من وجهة نظرهم و قرروا
يحطوها على الورق.
محمد فتحى هو مؤلف كتاب
مصر من
البلكونه، اللى بيتعرض فى مجموعة مقالات
لنظرته المتعمقه للحياه المصريه و عيشتها و اللى عايشينها.
و قد قرر إنه يعمل نفس الحكايه فى حياته هو ... يعنى قال
القريب اولى بالتعمق و التحليل، فلأبدأ بنفسى و بذكريات
طفولتى و مراهقتى.
بس المشكله إن محمد حكى زى ما كلنا بنحكى ...
يعنى حكى عن شقاوته فى المدرسه، زى ما بنعمل بالظبط مع
أصدقاء الدراسه لما نتقابل كل فتره ... نظام: "فاكر لما
عملنا كذا و كذا .. ولا لما نطينا من فوق سور المدرسه
....إلخ". هى ذكريات لذيذه بدون شك ... بس تتحط فى كتاب
... أشك.
معلهش لو كان محمد عايز يكتب سيرته الذاته و
مذكراته، أو حتى يفضفض عن اللى جرى له فى حياته أو شىء من
هذا القبيل ... يبقى كان من الأفضل تبقى فى مقاله أو نوت
فى الفيس بوك (خصوصاً الفصل بتاع الإعلانات القديمه اللى
ذكرنا بها و ضحكنا لها و معاها) ... أنا شايف إن الكتاب،
أى كتاب،
لازم يبقى أقرب للعمل الأدبى عنه للصحافى أو الترفيهى.
دى طبعاً وجهة نظرى كقارىء، أو بمعنى أخر
دافع لثمن الكتاب و بالتالى عايز حقه الأدبى بقيمه تساوى
المقابل المادى.
أنا حسيت من الفصل الأول إن الأسلوب السلس
البسيط مع الذكريات الأبسط، مع كامل إحترامى لذكرياته مع
والده ... و لكنها تنطبق على الكثيرين من البشر، كانا
فاقدان لعناصر الجذب و التشويق اللى تخللينى أقرأهم فى
كتاب ... فى مقاله أكيد و أصفق له عليها، فى نوت طبعاً و
يمكن أبعتها لكل اللى أعرفهم، بس كتاب !!! ... يعنى أحتفظ بيه و
أستعيد قراءته بعد فتره ... ما أظنش.
أعتقد أن محمد فتحى لو لم يكن قد نشر، بل و
حقق نجاحاً كبيراً، فى كتابه السابق ... لما كان قد نشر
هذا الكتاب. أو على الأقل كان نشره و تعب كتير فى توزيعه،
اللى إعتمد فى هذا الكتاب على إسمه فى رأيى المتواضع.
نهى محمود بقى عملت حاجه جعلت النص
بتاعها غايه فى المتعه ... فقد أضافت محسنات لغويه بسيطه و
رقيقه رسمت من الذكريات البسيطه لوحه أدبيه جميله .. زى
مثلاً وصفها لصوت موقد الكيروسين اللى كانت بتسمعه عند
جدتها، و اللى كانت جدتها تستخدمه فى غلى الملابس البيضاء.
موقف عادى جداً، و لكن وصفها لذكرياتها مع
الصوت ده، و كيف إرتبط بجدتها مع تفاصيل اخرى صغيره أخرى
لا تراهم سوى أعين طفله ... كل ذلك، مع تنهدها الذى شعرت
به و هى تعرب عن رغبتها فى دفع اى ثمن مقابل ان تسمع هذا
الصوت مرة اخرى، كل هذا الكم من الشجن و البراءه و الجمال،
الموضوعين فى إطار لغوى بسيط و رقيق، قد جعل من قراءة نصف
"الحيطه" الأخر غايه فى المتعه.
نهى تمتلك حساً راقياً يجعلك تصدق كل ما
تكتبه ... بل و تعيشه معها. جعلتنا نقلق عليها عندما تركها
والدها فى المدرسه .. هى لم تبالغ فى حجم القلق بل سخرت
منه، بس جعلتنا نرى أبعاد المشكله فى نظرها كفتاه مراهقه
محتاسه.
تأملاتها فى ذكرياتها مع من فقدتهم من عيلتها
خللونى أتذكر من فقدتهم انا الآخر، و غالباً ما سيكون هذا
شعور كل قارىء أيضاً. و هذا لا ينطبق فقط على الأشخاص بل
على الأماكن كمان ... فتحسرها الذى أبدعت فى نقله إلى الورق
فى جملة:
"إختفت الآن الكثير من معالم شيرا. يهدموها و
يبنوها من جديد كأنها خيال فى لعبة بارده عى شاشة
الكمبيوتر."
الللللللله ... هى دى نوعية الجمل اللى اتوقع
أن أقرأها فى كتاب ... و أستمتع و أتأمل أكثر فى كل مره
أقرأه فيها.
أيضاً كانت نهى دقيقه فى إختيار ألفاظها
عندما تعرضت لأولى معلوماتها عن الجنس، فمن حصولها على "موهومة" إن
الست بتحمل من البوسه، و حتى فهمت الفوله من كم
"المعلومات" المهوله اللى فى فيلم غريزه أساسيه بتاع مايكل
جاكسون و شارون ستون ... كل ذلك مر بنا فى الكتاب بمنتهى خفة الدم و
الرشاقة فى السرد مع التعمق فى مشاعر هذه البنت. لقد
جاء إنهائها لهذا الفصل من ذكرياتها بمجرد ذكر
إسم الفيلم غايه فى الذكاء و الحرفيه أيضاً .. فذكره
لوحده كفايه، و كمان هذا يترك للقارىء تخيل ما يشاء من
إنفعالات مرت بها و هى تنتقل من مرحلة الحمل بالبوس إلى
مايكل و شارون البلابيص.
لقد أجادت نهى فى إختيار الأسلوب الأمثل فى
قص حكايتها، أو ربما يكون هذا هو أسلوبها أصلاً فأنا لم
أقرأ لها من قبل .. و إن كنا قد تعرضنا فى مصرى
لكتابها
الحكى فوق
مكعبات الرخام من قبل و سمعت عنه سمع خير،
و لكنى بالتأكيد بعد هذا الـ "نص كتاب" سأقرأه قريباً إن
شاء الله.
أخيراً الإجابه اللى وصلت لها، للسؤال اللى
بدات به المقاله، هى إن أى كاتب يحق له كتابة سيرته الذاتيه
بغض النظر عن سنه و خبرته ... بس لو عايزها تبقى فى شكل
كتاب يبقى يشوف أى كفه ستعطى للكتاب ثقله: محتوى الذكريات
ولا اسلوب سردها.
يعنى لو كتب مثلاص عن 5 سنين من حياته، بغض
النظر عن عمره، مليانه نشاط
سياسى فى وقت عارم بالإزمات فى البلاد، يبقى يخفف من
الإسلوب الأدبى و يتجه نحو الأسلوب الصحافى البسيط ... فالأحداث
مشوقه خلقه و مش محتاجه تعقيد. أما لو كانت ذكريات عاديه
...
مضحكه كانت او مأساويه، فبغض النظر عن مدى تأثره بها، لازم يضيف الكثير من مكسبات الطعم اللغويه، الغير مفتعله
.. و هنا تبان الحرفه،
حتى يشد إنتباه القارىء و يجعله يشعر بمدى اهمية هذه
الذكريات عند الكاتب.
لكن للحق هى محاوله جريئه و فريده ... و
إستفدت كقارىء منها إلى حد ما. و يمكن كنت منتظر أكثر من
ذلك من محمد فتحى، و لكنى الآن مشتاق للكثير من نهى محمود.
من الآخر:
محمد كان بيحكى زى اى رجل ما بيحكى: تركيز
على الإحداث مع بعض المبالغه، مع رشة اباحه فى السرد ...
لكن نهى كانت بتحكى كما تحكى أى أنثى: إهتمام بتفاصيل
دقيقه مع تفصيص و تحليل لمشاعر عديده ..
فى حياتنا بنفضل، نحن الرجال، نسمع من الأول
و نهرب من رغى التانيه ... بس فى الأدب بقى، الأفضليه
بتبقى معكوسه.
فادى رمزى
على فكره:
ما فهمتش ليه هما سموه نامت عليك حيطه ؟!!!
... يمكن فاتتنى، بس لسه مجننانى.

Share on Facebook

|