
في تجربة
جديدة تمامًا على ساحة النشر العربية، قامت دار الشروق
بإصدار سلسلة بعنوان مدوä@ الشروق، تجمع عبرها مجموعة من
المدونات (البلوجز) المعروفة وتكتب عبرها مجموعة من مقالات
المدونة، تجمعها في كتاب واحد، وتنشرها منقحة وجميلة.
طبعًا التجربة
الرائعة تستحق المراجعة والدراسة، فأنت تحول فجأة مجموعة
من الحروف الإنترنيتية إلى صفحات كتاب يقرأه الجميع، يسمح
لك بأن تتخلى عن اللابتوب مرة أخرى وتعود لقراءة الكتب بين
يديك في سريرك، في تلك اللحظات الأخيرة قبل النوم التي
تتداخل فيها الأحداث والحكايات، فلا تعرف لها بعيدًا من
قريب.
وكل من أوائل
كتب هذه المجموعة هما الكتابين الذين حصلت عليهما بمعجزة
بعد أن كانت نسخهم دائمًا مفقودة من المكتبات (تبعًا لعدد
من يشتريها لا تبعًا لنقصها لا سمح الله) وهما "أما هذه
فرقصتي أنا" و"أرز باللبن لشخصين".
وبصراحة فقد
بدأت قراءة "أرز باللبن لشخصين" تحيزًا لصديقة لا تعرفني،
وإن كنت أعرفها، وتجولت معها في رحاب حواديتها عبر مدونة
"حواديت" التي لطالما قرأتها، وإن حافظت على حدودي، فلم
اتعدى بتعليق لا معنى له في كثير من الأحيان.
ثم، كيف تعلق
على مثل هذه المدونات أصلاً ؟! كيف تترك بصمات أصابعك
لتقول شيئًا سخيفًا مثل "مشكور" أو "ألف شكر" أو أي كلام
آخر لا معنى له، حين تقرأ جمالاً بسيطًا، وحكايات لا تنتهي
عن الحقيقة وما تخفيها، والكذبة وما تفضحها.
في مجموعة من
المقالات والقصص والحكايات والذكريات تغوص أنت ورحاب بسام
في بحر كبير من الأرز باللبن، وتصبح قادرًا ـ فجأة ـ على
تنفس حبات الأرز أو العيش في حرارة الطبخة التي بدأت تزداد
رويدًا رويدًا. وعبر صفحات الكتاب غير معقول الجمال، هادئ
الجوانب، متلاطم الدواخل، تشاهد أنت نفسك وآخرين في حياتك
عبر حياة كاتبة الحواديت، وجميلة الروح الإنترنيتية "رحاب
بسام".
الكتاب يتراوح
بين السيرة الذاتية، وحكايات الطفولة، والأراء في الحياة،
ومجموعة من الحكايات التي تتجاوز الواقع إلى الفانتازية،
وتغرق في الفانتازية لدرجة أنها تستقر على قعر الواقع.
من أقصى ما
أعجبني في الكتاب مدونة "على بياض"، والتي تقولها فيها
رحاب :
((يمكنني في أي وقت أن أغمض عيني، فأرى دماغي وكأنها جهاز
صُنع غزل البنات: تضع السكر في منتصفه، وتضع العصا الصغيرة
في الجهاز وتديره. يسخن الجهاز، وتتجمع حول العصا خيوط
رفيعة من الغزل، وتظل العصا تلف وتدور، والغزل يكبر ويكبر،
وهناك طفل يبكي لأنه يريد غزل البنات الآن.. فورًا، وآخر
لا يريد أن تكون له أية علاقة بكل هذا اللف والدوران. لا
تتوقف دماغي عن الدوران أبدًا.))
تفسر الكاتبة
في هذه المدونة جمال لحظة الكتابة الإبداعية إياها
بطريقتها الخاصة، وبتشبيه يلامس العبقرية يسمح لمن لم
يتمتع بلحظة كتابة من قبل أن يدرك حقيقة الإحساس، إنها
تهدي لجميع قرائها إحساس الخلق إياه بطريقة واضحة صريحة
بسيطة وتلقائية ..
أحببت أيضًا
مدونة المرجيحة، والتي تقول بها :
((لأنها تخاف المرتفعات، لم تسع أبداً لقمة السعادة أو قمة
التعاسة. ولكنها، ولقِصر قامتها، لم تستطع أيضاً أن تلمس
أرض الواقع أو قاع الوهم. لذلك تقضي وقتها على المرجيحة،
تدغدغ الهواء بقدمها وتدندن بجدية. وإذا رأت الشمس ساطعة،
أخذت معطفها؛ وإذا هبت عاصفة مطيرة، أخذت المايوه.))
تتحدث عن
التعلق ما بين الثقة في السعادة، وإدراك الحزن، تعرف بأنها
لا تمتلك الحفاظ على السعادة ولا الاستقرار في الحزن،
تحاول دائمًا الموازنة فلا تستطيع إلا أن تلمس قعر السماء
هنا وسحابة السماء هناك، فلا تصل إلى أي مكان.
أحسنت الكاتبة
الكتابة، أبدعت نقل الحياة عبر مدوناتها، وعندما نقلتها
إلى الورق أختارت لنفسها مكانة في قلوبنا، أختارت أن
تشاركنا لحظات الفراق الأخيرة قبل أن نغادر الواقع إلى
عالم الحلم، تداعب أفكارنا بما تكتبه، وتداعبنا الأحلام
حتى آخر شهيق.
[أحمد رمضان]

Share on Facebook

|